تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
ترامب يفاوض ترامب!
يتكون مجتمع المخابرات فى الولايات المتحدة من 18 وكالة فيدرالية تستنزف ما يزيد على 115 مليار دولار سنويا من الموازنة الحكومية، لكنها فشلت فى تقدم تقارير دقيقة عن إيران قبل شن الحرب عليها.
فوجئت تلك الأجهزة بتطور الصواريخ البالستية الإيرانية وقوتها التدميرية وكأنها تصورت أنها محشوة بشوكولاتة لا بمتفجرات، وفوجئت بحدة البلاغات الحربية التى خرجت من السلطة الدينية الحاكمة فى إيران وكأنها توقعت أن تخرج رافعة يدها بكتب الزهد والتصوف، وفوجئت بالمرشد الأعلى يتحدث لغة المقاتل، وكأنها انتظرت منه أن يتحدث مثل ناسك.
بذلك التصور الواقعى الساخر لم تحقق الحرب الإسرائيلية الأمريكية أهدافها الأربعة المعلنة منذ انفجرت عواصف النار يوم 28 فبراير.
لم تسقط الحرب النظام فى إيران رغم اغتيال قياداته الدينية والعسكرية والاستخباراتية، فقد كانت البدائل جاهزة لتولى المسئولية دون صراع على السلطة ولم ينقلب الشعب عليها ما جعل مراكز الدراسات الاستراتيجية تنتبه إلى أن العالم أمام نظام عقائدى معقد يصعب تفكيكه بقوة البارود. ولم تدمر الحرب البرنامج النووى الإيرانى بدليل شن غارات جديدة بقاذفات أمريكية ثقيلة على مفاعلات سبق أن أعلنت الولايات المتحدة تدميرها فى يونيو 2025 خلال المواجهة العسكرية التى استمرت 12 يوما.
ولم تخفت موجات الصواريخ البالستية التى أعلنت إسرائيل أنها دمرت مصانعها ومنصات إطلاقها، لكنها فوجئت بأنها تصيب منشآت إسرائيلية فى محيط «ديمونة» جنوب النقب بالقرب من المفاعل النووى بصاروخ فرط صوتى يحمل نصف طن من المتفجرات.
وكانت هناك مفاجأة أخرى تجسدت فى وصول صواريخ إيرانية الى قاعدة «دييجو جارسيا» التى تبعد نحو 4000 كيلومتر وسبق أن انطلقت منها القاذفات الأمريكية «بى تو» فجر يوم 22 يونيو 2025 لتدمير منشآت نووية إيرانية فى «نطنز» و«فوردو» و«أصفهان».
ولم تقطع الحرب أذرعة إيران فى المنطقة فمازال «حزب الله» فى لبنان يشتبك مع الجيش الإسرائيلي، ويمكن أن يغلق الحوثيون فى اليمن باب المندب بتعليمات من إيران لو واصلت سياسة «هدم المعبد» فوق رءوس الجميع. وبعد 23 يوما من الغارات الجوية المتبادلة انتهت أهداف الحرب إلى مجرد فتح ممر «هرمز» بالقوة لكن «ترامب» لم يجد أذنا صاغية من أوروبا بعد أن أهانها وسخر منها، وهدد برفع مظلة الحماية الأمريكية عنها فإذا به يعرض على إيران إدارة ممر «هرمز» معا.
فى الوقت نفسه عرض «ترامب» على إيران برنامجا نوويا لتوليد الكهرباء على أن تسلم كميات اليورانيوم المخصب الذى تمتلكه ويسهل تحويله إلى قنبلة نووية.
وفى لغز يتسم بمناورة يسهل كشفها تحدث «ترامب» عن التفاوض مع شخصية إيرانية لم يسمها وإن أعجب بها على أن تصبح المفاوضات السلمية علنية بين طهران وواشنطن فى «إسلام أباد».
لكن كان الرد عليه جاهزا: «ترامب يفاوض ترامب».
وبدا واضحا ان إيران لم تعد تثق فى «ترامب» بعد أن استخدم المفاوضات ستارا لإخفاء ترتيبات الحرب ضدها مرتين.
والمثير للدهشة أنه يتحدث عن المفاوضات للمرة الثالثة فى التوقيت نفسه الذى انطلقت فيه قوات الوحدة «31» البرمائية الاستكشافية من اليابان فوق ست سفن إنزال تحمل نحو ثلاثة آلاف جندى من مشاة البحرية الأمريكية للمساعدة فى فتح مضيق «هرمز» أو للسيطرة على جزيرة «خرج» الاستراتيجية التى تصدر منها إيران نحو 95% من نفطها وربما سعت تلك القوات الى العثور على اليورانيوم المخصب.
فى الوقت نفسه حذرت مجلة «فورن بوليسي» القوات الأمريكية من الجغرافيا الإيرانية، حيث تشكل جبال «زاجروس» فى الغرب وجبال «البرز» فى الشمال، وجبال «مكران» فى الجنوب الشرقى حواجز طبيعية تحمى البلاد من الغزو الخارجي.
تؤكد المجلة الأمريكية أيضا أن الممرات الضيقة والجبال الشاهقة هناك تكشف القوات المهاجمة وتسهل اصطيادها، كما أن الصحارى الحارقة والهضاب العالية تخلق بيئة قتالية قاسية ترتفع فيها درجات الحرارة إلى حد الموت.
ويخلد الإيرانيون جبل «دماوند» ــ أعلى قمة بركانية فى آسيا، حيث يزيد ارتفاعه على 5610 أمتار ــ ويعتبرونه رمزا للمقاومة الوطنية، وتنسج حوله أساطير فارسية تروى كيف قيد الخير الشر فى كهوفه.
باختصار يمكن أن تهدد التضاريس الإيرانية الإمبراطورية الأمريكية، كما هددت التضاريس المشابهة فى أفغانستان الإمبراطورية السوفيتية.
إن «ترامب» لا يعرف على ما يبدو كيف يخرج من المستنقع الذى تورط فيه، وكلما شق سكة للنجاة وجدها ملغمة، وتزيد من الضغط عليه انتخابات التجديد النصفى فى الكونجرس التى ستجرى فى نوفمبر القادم ولو خسرها فإنه سيفقد الأغلبية المساندة لقراراته ويصبح «بطة عرجاء» حسب الوصف الأمريكى لرئيس لا يملك الأصوات الكافية لتنفيذ ما يريد.
ويزيد من الضغوط على «ترامب» أيضا الخوف من تزايد الخسائر البشرية فى حرب يرى ثلاثة أرباع الشعب الأمريكى أن إيران ليست مصدر تهديد لبلادهم. والأهم أن إسرائيل بدأت تشكو من الحرب، وعندما تشكو إسرائيل فلا بد من الولايات المتحدة أن تنقذها.
هذه حرب عمياء بلا استراتيجية لعل الله ينقذ دول الخليج من شرورها.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية