تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

لماذا يكتب محمد سلماوى؟

هذا سؤال أواجه بى نفسى بشكل شبه يومى؛ عقب قراءاتى لمقاله فى جريدة الأهرام، هذا المقال الذى يعد من وجهة نظرى من أهم المقالات التى تنشر فى الصحافة المصرية والعربية.
لأنه مقال يحمل وجهة نظر، متسلحا بقدر عميق من المعرفة، محتميا بيقين أن الكتابة فعل مقاومة، وأداة من أدوات تغيير الشعوب، وأنها سلاح لا بد من استخدامه بشكل واع؛ هذا السلاح لدى سلماوى هو متعدد الطلقات، بل متعدد الأنواع، لا تعرف ماذا سيخرج منه، إلا بعد أن تنطلق «المقذوفة» أو بمعنى أدق حيت تنطلق «الكلمات»، التى تحمل رسائل، حتى فى حديثه «العادى» معك، لا بد أن تكون يقظا حينما تتحدث إلى سلماوى، فهو يفكر كثيرا قبل أن يتكلم أو يكتب، التفكير عنده يسبق أى قرار أو كتابة، وربما هذا ما يفسر ما حدث بينه وبين الأستاذ محمد حسنين هيكل فى اللقاء الأول، الذى عرض عليه «الأستاذ» العمل بالأهرام، فطلب أن يأخذ مهلة، فتعجب «هيكل».
هذه المهلة لم تكن للاختيار بين «الأهرام» و»الجامعة» التى كان «معيدا» فيها، إنما كانت «للتفكير» ماذا سيكتب؟ ولمن سيكتب؟ وهل رسالته فى «الحياة» الكتابة أم التدريس، هل رسالته فى الحياة أن يعيش بين طلابه أم أن يعيش بين مجتمعه، وانحاز فى النهاية للاختيار الثانى.

لكن هذا الانحياز لم يكن سهلا، لأنه أراد أن يكون «محمد سلماوى» وليس أى شخص آخر.

أراد أن يعيش مستقلا، لكنه لم يكن بعيدا فى أى وقت- عن «المعرفة» وأدواتها، فحقق لذاته مسارا مختلفا عن جيله «جيل السبعينيات»، لأنه كان أكثرهم اتصالا بمنابع الثقافة الأوروبية، من خلال اتقانه الكبير للغتين الإنجليزية والفرنسية، فضلا عن صدقاته مع مؤسسات علمية وثقافية كبرى، وشخصيات من أصحاب «صنع القرار»، والأهم هو انحيازه إلى الحق فى المعرفة، وصياغة ذلك فى موقف واضح.

هذا «الحق» هو ما انحاز إليه دائما، وعبر عنه فى مؤلفاته ومقالاته، ومن بينها روايته الأخيرة، الصادرة هذه الأيام، وأطلق عليها «السماء الثامنة»، من إصدارات دار الكرمة 2026، هذه الرواية التى تمزج  بين تعاطف المجتمع المصرى مع القضية الفلسطينية ووقوفه مع الشعب الفلسطينى، لاسيما بعد حرب الإبادة التى شهدها على يد العدو الإسرائيلى، وبين الرؤية المصرية،

فعبقرية الكاتب المنغمس فى قضايا أمته، يصور مشهد دخول الشاحنات إلى «غزة»، بوصف دقيق على لسان بطلة العمل إيمان: «كانت كل شاحنة تمحو بمرورها خط الحدود الوهمى بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية. شعرت إيمان بضربات قلبها تتلاحق، ونظرت حولها فلم تتبين حدودا فاصلة، وبدت رفح أمامها مدينة عربية واحدة».

هذا العمل البديع والذى جاء فى وقته تماما، يصور وقع خبر استشهاد طبيب مصرى، غير حياة أسرة بكاملها، وأعتقد أن ما حدث فى «غزة» وردة الفعل المصرى على كافة المستويات، سجلته هذه الرواية بشفافية وعذوبة وصدق، يستحق التوقف والتأمل والتحية لكاتب لا زال يؤمن بأن الكتابة فعل مقاومة ومعرفة فى آن واحد.  

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية