تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
معضلة أوروبا
يعرف التاريخ نماذج كثيرة لما يمكن أن نسميه بالعلاقة المعقدة، التى يمكن وصفها بعلاقة رحم حضارية، بين مركز ثقافى يظل ملهما وإن تراجعت قوته العسكرية وقدراته الشاملة، وبين طرف ثقافى ولد من رحم ذلك المركز، لكن ازداد ثقله العسكرى وقدراته الشاملة تدريجيا، بالقدر الذى جعله مركزا جديدا، يرث المركز القديم. إنها العلاقة التى قامت فى العصر المحورى، قبل وبعد ميلاد المسيح، بين اليونان أمة الفلسفة والأدب، والرومان أمة القانون والسياسة، حيث فاق الرومان أسلافهم فى القوة العسكرية وشيدوا إمبراطورية فرضت سلامها على نصف المعمور الأرضى. ولكن ظلت أثينا مركزا للاحترام، والفلسفة اليونانية مصدرا للإلهام، وأصبح الطرفان معا بمنزلة الجذر الثقافى الذى يمثل، مع الجذر الدينى اليهو ـ مسيحى، المكونين الرئيسيين فى تشكيل الغرب الحضارى، كما يرى نفسه. إنها العلاقة التى لا تزال قائمة بين أوروبا وأمريكا الشمالية. فأوروبا هى التى اكتشفت واستوطنت الجزء الشرقى والشمالى الشرقى من أمريكا، ضمن واحدة من أوسع الحركات الجغرافية وأكثرها تأثيرا فى التاريخ. لكن أمريكا، القارة الغنية بالموارد الطبيعية، صارت أقوى جسدا من مستعمريها بعد أربعة قرون من اكتشافها، وقرن ونصف القرن من استقلالها كدولة. لم يستطع الرحم الأوروبي/ الانجليزى قبول انفصال الطفل العملاق، فجرت وقائع الحرب التى انتهت بتأسيس الاتحاد الأمريكى فى 1776م. استمرت أوروبا، بتقاليدها الثقافية، هى القارة الأم. فيما صارت أمريكا، بقدراتها الشاملة، هى الدولة القطب.
شكَّلت هذه العلاقة التكاملية ظاهرة الغرب الحضارى، التى فرضت نفسها على الحقبة الحديثة من تاريخ العالم، كما ظهرت أهميتها الاستراتيجية فى القرن العشرين. فبعد الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من دمار اقتصادى وخسائر بشرية نمت أفكار تشاؤمية حول القارة العجوز واحتمال انهيارها؛ بفعل ما اعتبره البعض فقدانها للحيوية الدافقة، كما نظَّر أزوالد اشبنجلر فى كتابه الأثير: أفول الغرب بأجزائه العديدة، أو للروح الديونيسية، الموصولة بحب الحياة والتى تمجد الغريزة والشهوة، كما تنبأ الفيلسوف نيتشه قبل اشبنجلر بنصف القرن. وبعد الحرب الثانية وما رافقها من دمار أشد وخسائر بشرية أكبر، ازدهر الإلحاد فى الفلسفة، خصوصا الوجودية، وفى الأدب، وطُرح سؤال الهوية مشوبا بنوع من الشك طال كل المستويات، إلى ذلك الحد الذى دفع صامويل ويلسون إلى الكتابة عن سقوط الحضارة، ودفع كثيرين غيره إلى الكتابة عن نهاية المعنى وضياع الإنسان.
احتاجت أوروبا إلى عقدين كاملين للخروج من أزمتها الحضارية، استنادا إلى حاملين تاريخيين: الأول هو الولايات المتحدة، الوريثة الحضارية، الدولة القطب التى كرست طاقاتها الشاملة، لإعادة إعمار القارة العجوز عبر مشروع مارشال، ولحمايتها من الخطر السوفيتى، بل ومن التحالفات العدوانية التى كانت تنشب داخلها من خلال حلف الناتو. والثانى هو الإرث الثقافى العريق لأوروبا، كونها القارة التى جسدت لقرون عدة جل التقاليد الكلاسيكية الغربية: الفلسفية والمعرفية والسياسية، والتى كانت قد تمكنت بفضلها من ارتياد قمة الحضارة الإنسانية، وصياغة مسميات وحقب الزمن الثقافى الحديث كله: عصر النهضة، الإصلاح الدينى، التنوير، الحداثة.. الخ. ومن ثم استقر لديها شعور عميق بالجدارة التاريخية، وبالثقة فى الذات الحضارية، وبالقدرة على استعادة مسارات حركتها الواعية. غير أن انفصالا نفسيا واستراتيجيا ولد من رحم أحداث 11 سبتمبر 2001، التى وظفتها أمريكا فى العدوان على العراق وأفغانستان، باعتبارها حربا صليبية، تطبيقا لنظرية صدام الحضارات التى كان صامويل هانتنجتون رفعها كسيف على رقاب المشرق الحضارى. لقد رفضت أوروبا التوصيف الأمريكى لتلك الحرب، كما رفض قسم كبير منها الحرب نفسها، ولهذا تعرضت لتقسيم تعسفى بين أوروبا الجديدة، التى خرجت من الهيمنة السوفيتية وانصاعت للخيار العسكرى الأمريكى، فجرى امتداحها. وأوروبا القديمة التى ناكفت أمريكا، خصوصا ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، فجرى هجاؤها.
اليوم، يكاد الأمر يتكرر فى سياق الجدل الغربى حول الحرب الروسية الأوكرانية، إذ تنكرت أمريكا لدور أوروبا ومصالحها، على نحو مثل خذلانا لها كشريك حضارى واستراتيجى، تورط فى تلك الحرب وفاءً للصديق الأمريكى، فإذا بالصديق يتخلى عنه شريكه، ويطالبه بتحمل نفقات تلك الشراكة. فعندما يقول ترامب إن أوروبا صارت عالة على بلاده فهو لا يهين القارة العجوز بل يكشف عن جهله إزاء الرحم الثقافى لبلاده. وعندما يتنكر لأهمية حلف الناتو فلا شك أنه يجهل أهمية البنية التحتية والقاعدة الاستراتيجية لدور أمريكا العالمى. والحقيقة ان أوروبا، حتى بمعيار الواقعية السياسية، ليست عالة استراتيجية على أمريكا، وإن بدت كذلك فلأنها غير واعية بممكناتها، تتلقى لكمات ترامب الاقتصادية والأمنية، وتحاول الرد عليها بلكمات من النوع نفسه، تخص قضايا التجارة والتعريفة الجمركية، أو محاولة إنشاء مظلة أمنية/ نووية مستقلة تشمل كل دول الاتحاد. ربما كانت تلك الردود ضرورية لكنها غير كافية، كونها تبارز ترامب على ملعبه، فيما يتعين على أوروبا أن تبلور ردا ثقافيا أكثر جذرية، وحكمة، وقدرة على رعاية منظور الجغرافيا الاقتصادية وعلى تجسيد قيم ما بعد الحداثة، حيث تسود أنماط التنافس الاقتصادى والتكنولوجى وتزدهر سياسات الاندماج والتبادل التجارى، وتنمو قيم التعايش والأمن والسلام، وفى المقابل يتراجع منظور الجغرافيا السياسية وقيم الحداثة، حيث كان الانشغال المحورى بقضايا السيادة والأمن وتوازنات القوة والتحالفات العسكرية. لقد تبدلت المواقع بعد ثمانية عقود من الحرب الثانية، لم تتدهور أمريكا بعد، ولكنها توشك. ولم تستعد أوروبا قوتها التى كانت، لكنها لا تزال تملك من الحكمة قدرا يسمح لها بإنقاذ أمريكا من نفسها، لجمها عن صراعاتها المهلكة. غير أنها لا تبدو موحدة أو جاهزة لهذا الدور، ومن ثم لا تزال تنافق وليدها العملاق، بدلا من أن تراجعه، خشية من غضبه.
شكَّلت هذه العلاقة التكاملية ظاهرة الغرب الحضارى، التى فرضت نفسها على الحقبة الحديثة من تاريخ العالم، كما ظهرت أهميتها الاستراتيجية فى القرن العشرين. فبعد الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من دمار اقتصادى وخسائر بشرية نمت أفكار تشاؤمية حول القارة العجوز واحتمال انهيارها؛ بفعل ما اعتبره البعض فقدانها للحيوية الدافقة، كما نظَّر أزوالد اشبنجلر فى كتابه الأثير: أفول الغرب بأجزائه العديدة، أو للروح الديونيسية، الموصولة بحب الحياة والتى تمجد الغريزة والشهوة، كما تنبأ الفيلسوف نيتشه قبل اشبنجلر بنصف القرن. وبعد الحرب الثانية وما رافقها من دمار أشد وخسائر بشرية أكبر، ازدهر الإلحاد فى الفلسفة، خصوصا الوجودية، وفى الأدب، وطُرح سؤال الهوية مشوبا بنوع من الشك طال كل المستويات، إلى ذلك الحد الذى دفع صامويل ويلسون إلى الكتابة عن سقوط الحضارة، ودفع كثيرين غيره إلى الكتابة عن نهاية المعنى وضياع الإنسان.
احتاجت أوروبا إلى عقدين كاملين للخروج من أزمتها الحضارية، استنادا إلى حاملين تاريخيين: الأول هو الولايات المتحدة، الوريثة الحضارية، الدولة القطب التى كرست طاقاتها الشاملة، لإعادة إعمار القارة العجوز عبر مشروع مارشال، ولحمايتها من الخطر السوفيتى، بل ومن التحالفات العدوانية التى كانت تنشب داخلها من خلال حلف الناتو. والثانى هو الإرث الثقافى العريق لأوروبا، كونها القارة التى جسدت لقرون عدة جل التقاليد الكلاسيكية الغربية: الفلسفية والمعرفية والسياسية، والتى كانت قد تمكنت بفضلها من ارتياد قمة الحضارة الإنسانية، وصياغة مسميات وحقب الزمن الثقافى الحديث كله: عصر النهضة، الإصلاح الدينى، التنوير، الحداثة.. الخ. ومن ثم استقر لديها شعور عميق بالجدارة التاريخية، وبالثقة فى الذات الحضارية، وبالقدرة على استعادة مسارات حركتها الواعية. غير أن انفصالا نفسيا واستراتيجيا ولد من رحم أحداث 11 سبتمبر 2001، التى وظفتها أمريكا فى العدوان على العراق وأفغانستان، باعتبارها حربا صليبية، تطبيقا لنظرية صدام الحضارات التى كان صامويل هانتنجتون رفعها كسيف على رقاب المشرق الحضارى. لقد رفضت أوروبا التوصيف الأمريكى لتلك الحرب، كما رفض قسم كبير منها الحرب نفسها، ولهذا تعرضت لتقسيم تعسفى بين أوروبا الجديدة، التى خرجت من الهيمنة السوفيتية وانصاعت للخيار العسكرى الأمريكى، فجرى امتداحها. وأوروبا القديمة التى ناكفت أمريكا، خصوصا ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، فجرى هجاؤها.
اليوم، يكاد الأمر يتكرر فى سياق الجدل الغربى حول الحرب الروسية الأوكرانية، إذ تنكرت أمريكا لدور أوروبا ومصالحها، على نحو مثل خذلانا لها كشريك حضارى واستراتيجى، تورط فى تلك الحرب وفاءً للصديق الأمريكى، فإذا بالصديق يتخلى عنه شريكه، ويطالبه بتحمل نفقات تلك الشراكة. فعندما يقول ترامب إن أوروبا صارت عالة على بلاده فهو لا يهين القارة العجوز بل يكشف عن جهله إزاء الرحم الثقافى لبلاده. وعندما يتنكر لأهمية حلف الناتو فلا شك أنه يجهل أهمية البنية التحتية والقاعدة الاستراتيجية لدور أمريكا العالمى. والحقيقة ان أوروبا، حتى بمعيار الواقعية السياسية، ليست عالة استراتيجية على أمريكا، وإن بدت كذلك فلأنها غير واعية بممكناتها، تتلقى لكمات ترامب الاقتصادية والأمنية، وتحاول الرد عليها بلكمات من النوع نفسه، تخص قضايا التجارة والتعريفة الجمركية، أو محاولة إنشاء مظلة أمنية/ نووية مستقلة تشمل كل دول الاتحاد. ربما كانت تلك الردود ضرورية لكنها غير كافية، كونها تبارز ترامب على ملعبه، فيما يتعين على أوروبا أن تبلور ردا ثقافيا أكثر جذرية، وحكمة، وقدرة على رعاية منظور الجغرافيا الاقتصادية وعلى تجسيد قيم ما بعد الحداثة، حيث تسود أنماط التنافس الاقتصادى والتكنولوجى وتزدهر سياسات الاندماج والتبادل التجارى، وتنمو قيم التعايش والأمن والسلام، وفى المقابل يتراجع منظور الجغرافيا السياسية وقيم الحداثة، حيث كان الانشغال المحورى بقضايا السيادة والأمن وتوازنات القوة والتحالفات العسكرية. لقد تبدلت المواقع بعد ثمانية عقود من الحرب الثانية، لم تتدهور أمريكا بعد، ولكنها توشك. ولم تستعد أوروبا قوتها التى كانت، لكنها لا تزال تملك من الحكمة قدرا يسمح لها بإنقاذ أمريكا من نفسها، لجمها عن صراعاتها المهلكة. غير أنها لا تبدو موحدة أو جاهزة لهذا الدور، ومن ثم لا تزال تنافق وليدها العملاق، بدلا من أن تراجعه، خشية من غضبه.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية