تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

لمحات رمضانية «٥»

أوشكت «مأدبة الرحمن» أن ترفع، وشرعت قوافل الشهر الكريم فى الرحيل.. وبينما يتبادل الناس تهانى عيد الفطر، ويستعدون للعودة إلى صخب الحياة المعتاد.. يقف الصائم فجأة أمام سؤال لا مهرب منه، ماذا بقى؟ هل كان رمضان مجرد موسم عابر من الجوع والعطش، أم كان تجربة وجودية أعادت ترتيب الداخل، ولو قليلاً؟

رمضان فى حقيقته، ليس شهراً فى التقويم، بل حالة فى الروح.. حالة صفاء نادرة، تنكشف فيها الحجب، ويهدأ فيها صخب الجسد، فيعلو صوت المعنى.. فى تلك الأيام، كنا أخف، كأن أرواحنا تخلت عن بعض أوزانها الأرضية.. كنا نصلى فنشعر، ونقرأ فنفهم، وندعو فنبكى.. وكأن بيننا وبين السماء خيطاً صار مرئياً بعد أن كان مستوراً.

لكن المأساة الحقيقية لا تكمن فى انتهاء رمضان، بل فى أن ينتهى أثره فينا.

إن السؤال الأعمق ليس، هل صمنا؟ بل هل تغيرنا؟ هل خرجنا من رمضان بقلوب أقل قسوة؟ وبنفوس أقل شهوة؟ وبأرواح أكثر شفافية؟ أم عدنا كما كنا، وكأن شيئاً لم يكن؟

الحفاظ على الحالة الروحية ليس أمراً مستحيلاً، لكنه يحتاج إلى فهم.. فالمشكلة أننا نتعامل مع الإيمان كأنه حالة موسمية، بينما هو فى جوهره مشروع حياة.

رمضان لم يأت ليكون محطة وصول، بل ليكون نقطة انطلاق. هو تدريب مكثف، وليس إقامة دائمة.. وما بعده هو الامتحان الحقيقى.
لقد تعودنا فى رمضان أن نكبح شهواتنا، لا لأن الطعام حرام، بل لأننا أخترنا أن نرتقى.. وهذا هو الدرس، أن الإنسان قادر على أن يقول «لا».. وهذه هى بداية الحرية الحقيقية.. فإذا انتهى الشهر وعدنا عبيداً لعاداتنا، فقد ضاعت الحكمة.

الحالة الروحية التى عشناها لم تكن وهماً.. كانت نحن، ولكن فى صورتنا النقية. كانت الفطرة حين تتحرر من ضجيج الدنيا.. ولذلك فإن الحفاظ عليها لا يعنى أن نعيش فى نفس الأجواء، بل أن نحمل نفس المعانى.. أن نظل يقظين، ولو قل العمل.. أن نظل صادقين، ولو فتر الحماس.
ليس المطلوب أن نصلى كما كنا فى رمضان، ولكن أن نصلى بقلب حى.. ليس المطلوب أن نختم القرآن مرات، ولكن أن نظل على صلة به، ليس المطلوب أن نبكى كل ليلة، ولكن أن يبقى فى القلب موضع للخشوع.

إن الحفاظ على أثر رمضان هو فى أن تظل تلك اللحظة حية داخلك.. لحظة الصفاء، لحظة الصدق، لحظة الشعور بأن الله قريب.. إذا استطعت أن تستدعى هذه اللحظة وسط زحام الحياة فقد نجوت.

علينا أن ندرك أن رمضان لا يرحل، بل نحن الذين نبتعد.. وإذا أردنا أن نحافظ عليه.. فعلينا ألا نبحث عنه فى التقويم، بل فى القلب.. هناك فقط يمكن أن يظل حياً.. لا كشهر بل كحالة.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية