تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
لمحات رمضانية (3)
يمر شهر رمضان، وتمر معه تلك النغمة المكررة التى نسمعها فى ردهات المكاتب، وخلف شبابيك المصالح الحكومية، وعلى ألسنة الحرفيين «أنا صائم ومش قادر أشتغل».. وكأن هذا المسكين يؤدى ضريبة ثقيلة للبارى عز وجل، ويدفع ثمنها الناس تعطيلاً لمصالحهم، وإهداراً لأوقاتهم.. وكأن الصيام صار عذراً للتقصير لا دافعاً للاتقان.
قيمة العمل فى رمضان لها قدسية خاصة، فرمضان ليس شهراً لتعليق الأعمال على الإرهاق، ولا موسماً لتعليق الضمائر حتى أذان المغرب.. بل هو شهر إعادة ترتيب الداخل، لا تعطيل الخارج.. شهر تهذيب النية، لا تهرب من المسئولية.
الصائم الحق لا ينقص عطاؤه، بل يزداد صفاء.. لأنه يعمل وهو يراقب الله لا المدير.. ينجز مهمته وهو يعلم أن الله يراه.
أمانة العمل ليست بنداً فى لائحة، بل هى عبادة تمشى على قدمين.. حين تفتح دكانك فى موعده، فأنت تصلى صلاة الالتزام.. حين ترد المعاملة كاملة بلا تعطيل ولا مماطلة، فأنت تسبح بحسن الأداء.. حين لا تختبئ خلف مبرر، فأنت تعلن أن الصوم تهذيب للجسد لا إجازة له.
رمضان شهر نزل فيه القرآن، وقامت فيه أمة، ووقعت فيه معارك فاصلة فى تاريخ المسلمين.. لم يكن الصائمون يومها يقولون نؤجل النصر إلى ما بعد الإفطار.. بل كانوا يفطرون على التعب، لا يتعبون من الصوم.
الصوم ليس امتناعاً عن العمل، بل امتناع عن المعصية.. ليس إجازة سنوية للضمير، بل دورة مكثفة فى الانضباط.
إن من يعطل مصالح العباد فى رمضان، يسيء إلى صورة الصوم، والطالب الذى يتراخى بدعوى الجوع ينسى أن أول ما نزل من الوحى كان أمرًا بالقراءة، لا بالاستراحة، والتاجر الذى يقلل الجودة لأن «الناس صايمة ومش هتفرق» ينسى أن الرزق بيد الله.
يٌعريف الصوم، باعتباره قوة داخلية، لا ضعفاً خارجياً.. وضبط للنفس، لا تعطيل للواجب.. الصوم تدريب على أن تقول: «لا» للشهوة، لا أن تقول «لا» للمسئولية.
فلنجعل رمضان موسماً لرد الاعتبار لأمانة العمل.. لنصم عن الكسل كما نصوم عن الطعام.. ولنفطر على الاتقان كما نفطر على التمر.. ولنجعل من مكاتبنا وورشانا ومدارسنا ساحات عبادة خفية لا يراها الناس كلها، لكن يراها الله كاملة.. وعندها يصبح الصوم تاجاً للإيمان حقاً.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية