تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > سوسن مراد عزالعرب > المجلس القومي للإبداع.. ألم يحن الأوان؟

المجلس القومي للإبداع.. ألم يحن الأوان؟

منذ سنوات، تحديدًا في عام ٢٠١٨، وربما قبل أن تصبح «الصناعات الإبداعية» مصطلحًا رائجًا في الخطاب العام، طرحتُ فكرة إنشاء مجلس قومي للإبداع؛ كيان مستقل ومتخصص، لا يخضع لتقلبات المزاج الإداري، ولا يُدار بمنطق الفعاليات المؤقتة، بل يعمل بعقل ورؤية دولة مدركة للحظات التحول الفارقة، وواعية بدور الإبداع كمورد إستراتيجي، لا يقل شأنًا عن الطاقة أو السياحة أو قناة السويس أو غيرها من مجالات الاستثمار، فالإبداع قيمة كبرى، ومخزون قومي، وليس ترفًا ثقافيًا.

المجلس الذي طرحتُه وأطرحه مجددًا يشبه في استقلاليته واختصاصاته، المجالس القومية المتخصصة الأخرى في مجالات المرأة أو الطفولة والأمومة وغيرها، مكرّس بالكامل لرعاية العملية الإبداعية: رصدًا، وتمكينًا، وتشريعًا، وربطًا مباشرًا بالاقتصاد. 

واليوم، يتقاطع هذا الطرح مع انتفاضة إبداعية محلية وإقليمية تعبّر عن وعي حقيقي بلغة المستقبل واتجاهاته.

الصناعة هي نتاج الآلات والمصانع، أما الصناعات الإبداعية فهي تلك التي تقوم على الخيال والموهبة والابتكار، وتحول الفكرة ذات الأبعاد الفنية إلى كيان حقيقي متوازن ومتحقق اقتصاديًا، بما يضمن له الاستمرارية والاستدامة. وتشمل: التصميم، والعمارة، والفنون البصرية، والسينما، والموسيقى، والنشر، والحرف التراثية، والأزياء، والإعلان، والألعاب الرقمية، وصناعات المحتوى، والوسائط الجديدة. 

باختصار: كل ما يولد من العقل والروح، ثم يُدار بآليات السوق والعرض والطلب، بما يحافظ على قيمتها الفنية ومكانتها بعيدًا عن الاستهلاك التجاري.

‎في العالم، أصبحت الأولوية للصناعات الابتكارية تحقق بُعدًا اقتصاديًا، بالإضافة إلى الأبعاد المعنوية والتراثية والثقافية، ففي بريطانيا، تمثل الصناعات الإبداعية أحد أسرع القطاعات نموًا. 

وفي كوريا الجنوبية، تحولت الموسيقى والدراما إلى قوة ناعمة تُدر مليارات. وفي إيطاليا، أصبحت الحرف والتصميم علامة قومية مسجلة. 

تلك نماذج احترفت مفهوم الاقتصاد الإبداعي؛ اقتصاد المستقبل، الذي يؤمن بقوة الخيال والتفرّد، وبالقدرة على استغلال الموارد بشكل غير مسبوق أو مكرر أو منقول.

فالاقتصاد الإبداعي، ببساطة، يضع الإنسان المبدع في قلب المعادلة: يحمي فكرته، يمكّنه، يموّلها، ويحوّلها إلى مشروع مستدام. ونجاحه وتحققه على المستوى القومي يقاس بتعدد الأفكار التي خرجت من رحم المجتمع، وتحولت إلى شركات مستقرة وعلامات ذات بصمة بصرية وفنية واقتصادية.

وقد يظن البعض أن وجود مجلس قومي للإبداع يتقاطع مع وزارة الثقافة، بوصفها الحاضنة الطبيعية للهوية والمنتج الفكري الرمزي.

والحقيقة أن وزارة الثقافة تضطلع بدور جوهري يتمثل في تقديم الخدمات الثقافية، وصياغة الوجدان العام، وحماية العمق الحضاري، وإتاحة الثقافة للجميع، حتى ولو بالمجان، أو بشكل رمزي يناسب مختلف الفئات. بينما يتولى المجلس ترجمة هذه الرؤية إلى كيانات تنافسية، وسياسات، وتشريعات، وشراكات، وقيمة اقتصادية قابلة للاستدامة.

والدور الأهم، أن يعمل المجلس المقترح كهمزة وصل بين المبدع والدولة؛ ينسّق مع وزارات التعليم، والاتصالات، والإعلام، والاستثمار، والسياحة، والتجارة والصناعة، وهي وزارات تتقاطع اختصاصاتها داخل المشروع الإبداعي الواحد. مسار متكامل يبدأ من الفكرة، ويمر بالتدريب والتمكين، ويصل إلى السوق، عبر شراكات حقيقية تقوم على تكامل الأدوار، وتقديم قيمة حقيقية يحتاج إليها المتلقي فعليًا، منظومة تجد فيها الموهبة رعاية ثقافية، ونظامًا اقتصاديًا يحتضنها، وسوقًا يفتح لها الأفق للنمو.

في مصر، نقف اليوم عند نقطة مبشّرة. لدينا بشائر نهضة إبداعية حقيقية: شباب يصمّم، ويبتكر، ويجرّب، ويخاطر. فنانون، ومصممون، ومعماريون، وصنّاع محتوى، وحرفيون، ورواد أعمال ثقافيون، يطرقون الأبواب رغم غياب المظلّة الجامعة. 

فما نحتاجه ليس الموهبة فهي حاضرة ومتأججة، بل الإطار المؤسسي الذي يبرزها، ويحميها، ويقودها إلى بر الأمان والاستقرار والاستمرار.

وهنا، يصبح تأسيس مجلس قومي للإبداع ضرورة لا رفاهية؛ مجلس يضع السياسات، ويقترح التشريعات، ويربط التعليم بالإبداع، والثقافة بالاقتصاد، حيث يعمل بالتوازي مع منظومة لدعم ريادة الأعمال، فالمبدع اليوم لا يبحث عن منصة لعرض أفكاره وأعماله فحسب، بل يحتاج إلى منظومة مؤسسية للعمل، وتمويل ذكي، وحماية حقيقية للملكية الفكرية.

ولعل الخطوة الأهم، التي يمكن قراءتها كبصمة بالغة الدلالة مؤخرًا، هي إعلان ميثاق الشركات الناشئة؛ أول ميثاق من نوعه في مصر، وُضعت أسسه برعاية دولة رئيس الوزراء. في خطوة تعترف رسميًا بأن الدولة تراهن على الابتكار، وعلى الشركات التي تبدأ بفكرة لا بثروة. 

رسالة واضحة تقول إن المستقبل لمن يبتكر، لا لمن يكرّر أو يقتبس أو يقتنص، فتلك ممارسات بات من السهل رصدها، ولم يعد مقبولًا التسامح معها.

الإبداع سلعة المستقبل، ورأسمال الغد، وأداة الدولة الذكية لبناء اقتصاد أكثر مرونة، وهوية أكثر حضورًا، وقوة ناعمة تخاطب العالم بلغة العقول المستنيرة.

هل نمتلك الإرادة لنضعه على المسار الصحيح؟

الإجابة بين أيدينا.. لنرسم الطريق أمام جيل واعٍ.. مبدع ومدهش..
والقادم أفضل.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية