تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
أهمية أن «نتألم» ياناس!
هل يحدث لسيادتك أحيانا، فى هذه الأيام، وأنت تتابع الحرب التى شنتها إسرائيل وأمريكا على إيران، أن يصيبك الملل والسأم والزهق، فتسارع إلى الروموت لتغير القناة؟.. وهل يحدث أنك تذهب إلى المسلسلات فتتخير المضحك منها، فتضحك ملء فمك حتى تستلقى على ظهرك؟.. ثم هل يحدث بعد ذلك أنك تَمَّلُ من كثرة المسلسلات، فتشتاق إلى التغيير، فتعود إلى متابعة الحرب والقتل والتدمير والدماء من جديد؟.. هل يحدث هذا؟.. نعم يحدث ما المشكلة؟.. المشكلة يا أستاذ أننا بذلك نكون قد ابتُلينا بإدمان الفُرجة على آلام الآخرين فلا نتألم، وإنَّ فى ذلك لخطرا لو تعلمون عظيما. نحن يا سِيد الناس نتبلّد..(!!!).
يقول علماء النفس إن الإحساس بالألم ضرورة حيوية جدا لصحة الإنسان النفسية. لماذا؟.. لأن الألم ينبهك إلى أن لديك مشكلةً ما، وأن عليك الهرولة إلى معالجتها وإلا لتفاقمت وتراكمت، فيبيت من الصعب علاجها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن الإحساس بالألم يمثل جرس إنذار يجعلك تبحث عن أسبابه، ومن ثم المسارعة إلى التعامل مع تلك الأسباب للخلاص منها.
إن الحديث هنا هو عن الألم النفسى، لكنه ينطبق أيضا على آلام الجسد. إنك، وقد بدأ جزء من جسمك يؤلمك (وقاك الله شر كل الأمراض)، ستسارع حتما إلى الطبيب لأنك لو تكاسلت فسوف يمتد المرض إلى جزء ثانٍ، وثالث، وهكذا، ومن هنا فإن الشعور بالألم ضرورة من ضرورات البقاء، ووسيلة من وسائل النجاة.
غير أن هناك ما هو أخطر وأشد وطأة. إن الألم يصهر الروح فيجعلها أكثر شفافية، فنصبح نحن بذلك أشد إنسانية، وتعاطفا مع أنفسنا ومع الآخرين، ثم مع اعتياد الإحساس بالآخَر نكون أكثر رهافة وصدقا وسُموّا، وأبعد ما نكون عن (التنبلة) الروحية، والبلادة العاطفية، والتكلُس فى المشاعر. ليس ثَمّةَ إنسان بحق وحقيق إلا ويجب أن يشعر بالألم فى داخله بين الحين والحين.. وفى ذلك يقول المتنبي:
كالخيلِ يمنعُنا الشموخُ شِكايةً/ وتئِنُ من خلف الضلوعِ جروحُ.
.. وعلى المستوى العلمى يقول علماء الصحة إن لسعة الألم، مثلها مثل لسعة الخوف، تحفز الجسم على إصدار رد فعل سريع يتمثل فى إنتاج الأدرينالين اللازم لتخفيف حدة الألم، ويوضحون أن توقف إنتاج هذا الأدرينالين هو مصيبة المصائب، على الشرايين والأعصاب والعضلات، وعلى القلب تحديدا. إن من رحمة الله تعالى أن جعل للأدرينالين فى أجسامنا مقدارا ينبغى الحفاظ عليه، فهل التبلد الذى نحن فيه ونحن نستقبل (طرطشة) الدماء علينا من الشاشات، يعنى أننا قد توقفنا عن إنتاج المزيد من الأدرينالين، أَم أنه لم يعد فى عروقنا أدرينالين أصلا من كثرة ما أصابتنا الطرطشة؟
.. هنالك قد يتذاكى أحد الأذكياء، وما أكثرهم، فيفتح عقيرته، وينفخ صدره، متسائلا: ولماذا يجب علىَّ أن أتألم لما يدور على أرض ليست أرضى، ولبشر ليسوا أهلى وناسى؟.. ثم يهمس: يا عم وانا مالى؟ والحقيقة أنه سؤال مشروع، وله إجابة. إنك عندما تتوقف عن التألم لبشر غير نفسك فسوف يستفحل معك الأمر ليصل إلى درجة عدم التألم لما يصيب أهلك أنفسهم، وسيصبح شعار وانا مالى هو ديدن حياتك، وطريقتك المثلى، وسلوكك المعتاد.. وتلك يا باشا بداية فقدانك إنسانيتك.. (أليس الكثيرون منا قد فقدوها بالفعل الآن) ؟
إن صفة إنسان ليست صفة سهلة، والذى يستحقها هو الشخص الأكثر إنسانية وتعاطفا وحساسية روحية، وإلا لتحوّلنا إلى أشباه حيوانات.. فهل رأيت كيف تحيا الحيوانات فى الغابة؟.. لقد كرَّمَنا الخالق سبحانه وتعالى بإنسانيتنا، لكن البعض منا للأسف لا يريدون هذا التكريم، (ولا يستحقونه).
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية