تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

المسلسلات.. وتشكيل الوعى

يخطئ من يحسب أن المسلسلات التى يعرضها التليفزيون، فى رمضان وغير رمضان، هى مجرد جرعات ترفيه وإمتاع ومؤانسة وتسالى رمضان. إن المسلسلات هى أكثر من ذلك بكثير. ليس من قبيل المبالغة فى شيء الذهاب إلى أن الدراما بشكل عام، سواء فى المسلسلات أو السينما أو روايات الأدب، هى الرافد الأول حاليا لتشكيل وعى المصريين وضمائرهم، ربما أكثر من وسائل الإعلام وخُطب المساجد والكنائس، بل والتعليم (!!!).

.. والذين عاصروا التليفزيون منذ بدء تشغيله فى مصر، قبل خمس وستين سنة أو يزيد، يعرفون جيدا أن الدراما التليفزيونية، منذ مسلسل الضحية والساقية والرحيل، فرضت نفسها فرضا، أكثر من غيرها، كجاذب سحرى للأعين والعقول والخيال والألباب. وطبعا، وكما هو المعتاد فى المجالات كافة، كان للمسلسلات المصرية الريادة والسبق فى التأثير، ليس فى مصر وحدها، وإنما فى الأقطار العربية جميعا.

إن أهمية الدراما التليفزيونية ترجع إلى عامل خطير جدا قد لا يلتفت إليه الكثيرون، ألا وهو أنها تقدم نماذج بشرية من دم ولحم، تمشى على قدمين، وتُمثل، فتصبح على الفور وتلقائيا هى النموذج المحتَذَى به لدى عموم الناس.. وهنا مكمن الخطورة. إن المُشاهد لا شعوريا سيرسخ فى وجدانه أن هذه النماذج هى واقع الحياة فيسارع إلى اتباعها وتقليدها.

.. ولذلك فإن من الضرورى أن يحمل المضمون الذى تقوم عليه المسلسلات رسائل أخلاقية تبنى المجتمع ولا تهدمه، ليس بالشكل الخطابى الإنشائى الممجوج، بل عبر استخدام كل وسائل الإبهار والتشويق التى يتكون منها البناء الدرامى، من كتابة وتمثيل وإخراج وتصوير وموسيقى وغيرها. وبديهى أن مصر تمتلك ذخيرة هائلة من الكوادر البشرية العاملة فى هذا المضمار.. وفى تلك الفنون كلها.

غير أن الجديد فى السنوات القليلة الفائتة أن وسائل التواصل الاجتماعى، أو ما يسمى اصطلاحا بالسوشيال ميديا، قد دخلت على الخط فتكاد أن تكون منافسا للدراما فى تشكيل وعى الناس.. وهو ما يفرض على الدراما أن تكون حائط صد ضد صبيانية وتفاهة وعدم مهنية تلك السوشيال ميديا. والحقيقة أن من تابع الحلقات الأولى من معظم المسلسلات هذا الرمضان سيلحظ ولا شك أن هناك تركيزا على ضرورة الحفاظ على قيم المجتمع وتقاليده وأخلاقه وثوابته. وحتما سنرى مع تتابع الحلقات تركيزا أكثر على هذا التوجه.

إن المسلسل يدخل إلى كل بيت، ومسلسلات رمضان تحديدا تحوز على مئات ملايين المشاهدات، وبالتالى فإن هذا الإقبال يمثل فرصة ممتازة لصانعى الدراما لتضمين فنونهم تلك الأفكار التى تحفظ على المصريين أخلاقهم، وتحافظ على الأعمدة الأساسية للشخصية المصرية.

... نعم، إن مسلسلات هذا العام مختلفة، وأكثر نضجا وجودة وحرصا على الابتعاد عن الرغى والتطويل السمج، وعن إبراز السلبيات، مع إجادة غير منكورة فى الكتابة والتمثيل والإخراج. لا شك فى أننا قد رأينا فى الحلقات الأولى حتى الآن أن هناك التفاتا إلى قضايا الأسرة، واستعادة القيم الأسرية النبيلة التى نشأنا عليها جميعا، ومن ثم فإن المُشاهد قد يستعيد وهو يشاهد رائحة مسلسلات عبقرية خالدة مضت، مثل ليالى الحلمية، والمال والبنون، وأرابيسك، وبوابة الحلوانى، والهجان وغيرها، مما يرسخ الانتماء والولاء والحب لهذا الوطن العزيز، مصر، التى لا أجمل منها وطنا.

.. ويعرف دارسو علمى الاجتماع والنفس أن ما يتلقاه الشخص من معلومات فى بيئته (خاصةً بسطاء الناس) يتحول مع الأيام إلى سلوك لاشعورى عام. وبالتأكيد فإن ما تدلقه السوشيال ميديا فى عقولنا فى هذه الأيام، فى غالبيته وليس كله، ليس سوى هرتلات وصبيانية غير مهنية ولا علمية وخبط عشواء أعمى جاهل، ولا يعنيه احترام ولا أصول ولا تقاليد، حتى أوشكنا أن نصدق أننا مجتمع بلا ضمير، وهذا بعيد عن الصحة كل البعد، إذ أن مصر مازالت بخير.. وسوف تظل بإذن الله.. وهنا يأتى دور المسلسلات. إن عليها إعادة ثقة المواطن فى وطنه وأخلاقه ومبادئه، وبث الطمأنينة فى النفوس، وهذا حتما ما سوف نتابعه فى رمضان.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية