تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
السوشيال ميديا وحادثة كاراكاس!
قال سائق التاكسى للراكب وهو يحاوره: ما رأيك فيما فعلته أمريكا فى «فانزولا» يا باشا؟.. رد الراكب: تقصد فنزويلا؟.. قال السائق: نعم، هل من حقهم هذا؟ أراد الراكب أن يشاغبه وقد تملكته روح الدردشة: طبعا من حقهم أن يفعلوا ما يشاءون لأن القَوىَّ فى هذه الحياة يفوز بكل شيء وليس للضعفاء إلا البكاء.. تلك هى سُنّة الكون يا عم الناس.
نظر السائق إليه شذرًا، ودمدم متقززًا، فكأنه يشتمه.. ثم صمت صمتا كصمت القبور حتى نهاية المشوار.
.. هنالك انفجرت فى رأس الراكب كالبركان نافورة من الأسئلة. صحيح من ذا الذى أعطى أمريكا الحق فى هذا الانتهاك لسيادة دولة أخرى كأننا عدنا إلى زمن الاستعمار (والاستحمار)؟.. كيف يبرر المواطن الأمريكى العادى هذا الاعتداء أمام ضميره؟.. من ذا المسئول عن الوصول بوجدان الأمريكيين إلى احتقار الآخرين بهذا الشكل بحجة البراجماتية وتغليب المصلحة الذاتية الأنانية؟.. هل وسائل الإعلام، والسوشيال ميديا، هما المسئولان.. إذن لماذا لا تغضب الميديا غضبةً للحق والضمير وهى التى صدَّعت رءوسنا بالحديث عن حقوق الإنسان والحريات والكرامة؟
.. ثم قفز إلى ذهن الراكب ذلك الڤيديو الأخير للمذيع الشهير بسخريته وتهكمه على سياسات الإدارة الأمريكية، چون استيوارت، الذى يقلده باسم يوسف ويحذو حذوه. إن الڤيديو يتهكم على تبرير ترامب لعملية اختطاف مادورو بأن هدفها الحصول على بترول فنزويلا التى لديها بترول وفير وأمريكا تحتاج إليه.
.. إنه ڤيديو فى ظاهره الرحمة وفى باطنه العذاب لمن يشاهد الڤيديوهات بتركيز. إن المذيع رغم سخريته من الاختطاف إلا أنه دَسَّ فى تلافيف الڤيديو جملتين أو ثلاثا يصف فيها مادورو بالديكتاتور الذى قسا على شعبه وأذلَّهُ، وهكذا سنجد أنفسنا، ونحن لا نشعر، يعنى فى العقل الباطن، نؤيد ما فعله ترامب، وأن مادورو كان يجب اختطافه.. ويا سيدى على حرية الإعلام!
استمر تدفق الأسئلة فقفز إلى عقل الراكب سؤال لئيم، لا يقل لؤما عن الڤيديو إياه وهو، هل تلعب الميديا والسوشيال ميديا (الأمريكية وغير الأمريكية) الدور الأساسى فى إقناع الجمهور (الأمريكى وغير الأمريكى) بما يريد صانع المحتوى زرعه فى عقولنا على غير وعى منا، حتى لو كان اعتداءً غير شرعى؟.. يبدو أن ذلك هو كذلك.. وبالتالى فإن علينا الانتباه وعدم تصديق كل ما تَبُخُهُ السوشيال ميديا فى وجوهنا من مواد.
قال الراكب لنفسه: من أدرانا ألا تنجح السوشيال ميديا فى إقناعنا بأن الحق ليس حقا، وأن الباطل هو الحق المبين.. وساعتها تصبح كل الجرائم مباحة، على رأى عمنا ديستوڤيسكى؟.. إنك تنظر إلى الموبايل فترى، على سبيل المثال، ڤيديو به حملة ضد أحد المنتجات، أو ضد فيلم، أو مطربة، أو سياسى من السياسيين.. فمن يؤكد لنا صدق هذا الفيديو من عدمه؟
إن المتابع للسوشيال ميديا سيلحظ أنه عقب حادث كاراكاس اكتظ الموبايل بڤيديوهات كارتونية تسخر من البيچاما التى ارتداها مادورو عند اختطافه، أو ماركة الكوتشى، أو نظارة النوم.. وكانت النتيجة أننا استغرقنا فى الضحك ونسينا الماستر سين (يعنى المشهد الرئيسى).. مشهد اختطاف رئيس دولة من غرفة نومه فى حادث غير مسبوق، بجرأة فجة لا مثيل لها من قبل.
طيب، من أدرانا ألا تأخذنا السوشيال ميديا فى المستقبل إلى النظر إلى القتل الوحشى، والتشويه، والتمثيل بالجثث والأعضاء فنضحك كالحمقى، وعندئذٍ لا يكون لسؤال سائق التاكسى أى معنى؟.. ثم من أدرى الأمريكيين أنفسهم بأنه لا يُفعل بهم هذا الأذى نفسه فى يوم من الأيام فينظرون ويضحكون؟
انتهى المشوار فهمس السائق للراكب وهو يتناول منه الأجرة: على فكرة يا أستاذ.. لا تَنسَ أن الله موجود.. وعند الله لا تضيع الحقوق.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية