تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
«مانيفستو» الإعلام
تطوير الإعلام.. هذا العنوان البراق، الذى يخطفك إلى مساحة من الأحلام المرهونة بخطوات جادة لا يصنعها إلا تغيير حقيقي فى النوايا قبل الأفعال، لا يزال مدخلا لخبر مهم تحمل متونه تفاصيل كثيرة تشير إلى حالة مخاض طويلة وبطيئة، وملامح مرحلة فارقة تمر بها مصر، مرحلة لا يجب أن تعترف بالخطوات المرتعشة أو الحلول المسكنة، بل تنشد البناء على أسس راسخة، فى قلب هذا «المخاض»، يبرز «الإعلام» ليس كأداة لنقل الخبر فحسب،
بل كظهير شعبي وحائط صد فى معركة «الوعي»، التي هى أقدس وأهم معارك الوطن الآن وفى المستقبل.
تابعت اللقاءات المكثفة التي عقدها الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، مع زميلنا العزيز ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، وما تلاها من اجتماعات مع نقابتي الصحفيين والإعلاميين، وهي فى وجهة نظري لم تكن مجرد إجراءات بروتوكولية، بل هي إعلان صريح عن «مانيفستو» جديد لتطوير المنظومة الإعلامية المصرية، وربما نهاية لهذا «المخاض»، الذي بعدت نهايته، كما أن عودة وزارة الدولة للإعلام فى هذا التوقيت الدقيق تعكس رؤية ثاقبة للقيادة السياسية، بضرورة وجود «قائم بالاتصال» فعال، يمتلك الرؤية والأدوات لربط الدولة بالمواطن، وتفنيد الأكاذيب، وترسيخ الهوية الوطنية.
وهنا، يطرح السؤال البديهي نفسه.. هل نحتاج إلى إعلام جديد..؟، وهل التطوير الذي ننشده مجرد تجميل للشاشات أو تغيير فى ديكورات الاستوديوهات أو تغيرات صحفية فى قيادات المؤسسات القومية والخاصة،
أعتقد لا.. لا نحتاج إلى إعلام جديد، فنحن أصحاب ريادة ومصر «آدم الإعلام» فى المنطقة كلها، ما نحتاجه هو إعلام مختلف يخرج من عباءة «التلقين» إلى رحاب «التفاعلية»، أما التطوير الذي نحتاجه فهو ذلك التطوير الذي يجب أن يكون فى «البنية والفكر».
وفى رأيي المتواضع ذلك التطوير المستند إلى البنية المتطورة والفكر المختلف، يجب أن يشتمل على محاور مهمة أولها «المصداقية» كعملة وحيدة، ففى عصر «السيولة المعلوماتية» وانتشار الأخبار الزائفة، تصبح المصداقية هى الحصن الوحيد للإعلام الوطنى، لأن المواطن لا يبحث عن إعلام يجمل الواقع، بل يبحث عن إعلام «يشرح» الواقع بصدق، ويضع يده على التحديات والمشكلات بموضوعية، ويقدم الحلول الممكنة،
وإن كانت المصداقية تمثل درعًا فإن السيف فى «الاستباقية» لا لدفاع، حيث عانى الإعلام لفترات طويلة من كونه «رد فعل» لما يثار فى الخارج أو على منصات التواصل الاجتماعي، لذلك فإن امتلاك «زمام المبادرة»، من خلال تقديم المعلومة الصحيحة قبل أن يملأ الفراغ أصحاب الأجندات التخريبية، هما الدرع والسيف للإعلام فى معركته الوجودية.
ويدعم ذلك بلا شك ويمثل الدعم اللوجستي كما فى الحروب والمعارك «التكامل المؤسسى»، لأن قوة أى إعلام تكمن فى تناغم أطرافه، ووجود وزارة الدولة للإعلام إلى جانب الهيئات المستقلة (الأعلى للإعلام، الوطنية للصحافة، الوطنية للإعلام) والنقابات المهنية، يضمن «سيمفونية» وطنية واحدة، تحترم التخصصات وتؤمن بالتكامل لا التصادم.
والحديث عن التكامل المؤسسي يأخذنا بالضرورة إلى سؤال مهم وهو: «من المسئول عن تطوير الإعلام؟».. أعتقد أن النهوض بالإعلام ليس مسئولية جهة واحدة، بل هو عقد اجتماعى ومهنى يشترك فيه الجميع، أولهم الدولة «الحكومة وأجهزتها»، التى يجب عليها ضمان تدفق المعلومات، فالشفافية ليست خيارًا بل ضرورة، ويجب إلزام كل الوزارات والهيئات بتوفير البيانات الدقيقة والرد السريع على استفسارات الصحفيين والإعلاميين، لأنه وببساطة شديدة جدًا «المعلومة المتاحة» هى العدو الأول للشائعة، كما يجب أن تتوافر كل سُبل التدريب والتأهيل، فالاستثمار فى «العنصر البشرى» هو الاستثمار الأبقى،
ويجب أن تتبنى الدولة مراكز تدريب عالمية المستوى لصقل مهارات جيل جديد من الكوادر الصحفية والإعلامية، فضلا عن تطوير البنية التكنولوجية، والاستمرار فى التحول الرقمى للإعلام، ودعم المؤسسات الصحفية القومية فى تحولها نحو المنصات المتعددة، مع الحفاظ بالطبع على تراثها فى تطور دائم.
هذا عن الدولة أما نحن معشر الصحفيين والاعلاميين «فرسان الوعى»، فيقع أيضا علينا مسئولية كبيرة فى تلك المعركة الحتمية،
فلابد وأن نعلى من شأن المهنية والاحترافية، ونبتعد عن «صحافة التريند» ونبحث عن «صحافة العمق»، فالكلمة أمانة، ومسئولية الصحفى والإعلامى تقتضى التحقق من كل حرف قبل نشره أو بثه، وعلينا أيضًا أن ننوع من مهاراتنا وقدراتنا وتخصصاتنا، فنحن بحاجة إلى صحفيين وإعلاميين متخصصين فى الاقتصاد، والمناخ، والذكاء الاصطناعى، والأمن القومى، لتقديم محتوى «خبير» يضيف للمشاهد والقارئ، وقبل ذلك وبعده «الاشتباك مع قضايا الناس»
فيجب أن يظل الإعلامى «مرآة» للمجتمع، ينقل نبض الشارع بصدق، ويواجه الفساد والبيروقراطية، ويسلط الضوء على النماذج المضيئة والناجحة فى كل ربوع الوطن.
ويبقى أهم ما فى منظومة التطوير وهو «المواطن»، فهو أيضا يقع عليه مسئولية فى معركة التطويـــر، حيــــث يجـــب ألا ينســــاق وراء الشائعات، وأن يدرك أن «حرية التعبير» لا تعنى «حرية التشويه» أو هدم المؤسسات، وفى نفس الوقت يدعم الإعلام الجاد، من خلال متابعة وتشجيع المحتوى الهادف الذى يبنى العقل، والابتعاد عن المحتوى الهابط الذى يستهدف تزييف الوعى.
أسمعك تقولها: «كل هذا تنظير»، ربما يتفق الواقع النظرى معك صديقى القارئ، ولكي ننتقل من التنظير الذى تراه إلى التطبيق حتى نلمس نتائج حقيقية على الأرض، يجب أن نتبع طرقا واقعية ونمتلك آليات تنفيذية، تتمثل فى بعض الخطوات والأفكار التى أطرح بعضها على سبيل المثال «منظومة اتصال حكومى محترف»، تضم متحدثين رسميين مدربين على أعلى مستوى، قادرين على التواصل مع الإعلام الأجنبى والمحلى بنفس الكفاءة، لقطع الطريق على التأويلات الخاطئة، - وكلنا يعلم حال الكثير من المتحدثين الآن -، وتطوير منصات «ديجيتال» تابعة للدولة تقدم محتوى سريعًا، جذابًا وقويًا، يخاطب الشباب بلغتهم وأدواتهم (فيديوهات قصيرة، بودكاست، إنفوجرافيك تفاعلى)،
وأيضا إحياء دور «مراكز البحوث الإعلامية»، لتقديم دراسات علمية لاتجاهات الرأى العام، وماذا يريد المواطن؟ وما القضايا التى تشغله؟ وما الوسائل التى يثق بها؟، وكذلك «تطوير الإعلام الإقليمى»، مصر ليست القاهرة فقط، يجب إعادة إحياء وتطوير القنوات والمؤسسات الإعلامية فى الأقاليم (الصعيد، الدلتا، القناة) لتكون معبرة عن مشاكل المواطن فى قريته ومدينته، مما يعزز الانتماء والوعى المحلى.
وتماشيًا مع التطور التكنولوجى وما يفرضه الواقع الجديد يجب أن نفكر أيضا فى إنشاء «مرصد» للشائعات يعمل بالذكاء الاصطناعى لرصد الشائعات فى مهدها، والرد عليها فورًا بمقاطع فيديو وصور ووثائق، ونشر الرد عبر كل المنصات فى وقت واحد، ومعه أيضا «الأذرع الخارجية» بجانب هيئة الاستعلامات، (قنوات موجهة، مواقع وبلغات متعددة) لتوضيح وجهة النظر المصرية فى القضايا الإقليمية والدولية، مصر يا سادة بمكانتها التاريخية والجغرافية، تستحق أن يكون صوتها مسموعًا ومؤثرًا فى المحافل الدولية، لا أن تترك الساحة لوسائل إعلام مغرضة تشوه الحقائق.
وأخيرًا.. أذكركم ونفسى بأن المحرك الأساسى لكل هذا التطوير هو الالتزام بنصوص الدستور والقانون التى كفلت حرية الرأى والتعبير، والتطوير الحقيقى هو الذى يضمن كرامة الصحفى وحقه فى الحصول على المعلومة، وفى الوقت ذاته يحمى المجتمع من الانفلات، إن «الحرية المسئولة» هى الركن الركين، الذى يجب أن تستند إليه كل تشريعاتنا الإعلامية القادمة.
إننا نقف على أعتاب مرحلة إعلامية جديدة، تتسم بالاحترافية، والشفافية، والوطنية، والهدف الأسمى الذى يجمع بين رئيس الوزراء و وزير الدولة للإعلام والأسرة الصحفية بأكملها هو «تقديم إعلام يليق بمصر ومكانتها وبالمواطن المصرى، فلقد ولى زمن الإعلام الذى يعمل فى جزر منعزلة، وبدأ زمن «الإعلام الذكى والمتكامل».
إن بناء الوعى عملية تراكمية، يتطلب نفسًا طويلاً، وإخلاصًا تامًا، وتطويرًا مستمرًا، وأنا وكل زملائى ومن خلال منبرى هذا والعزيزة على قلوبنا جميعًا «مجلة أكتوبر» وبوابة دار المعارف الإلكترونية نجدد العهد بأن نكون فى طليعة هذا التطوير، منحازين دومًا للحقيقة، مدافعين عن قضايا الوطن، ومساهمين فى بناء عقل مصرى مستنير، قادر على مواجهة تحديات المستقبل بكل ثقة.
حفظ الله مصر وجيشها، وحفظ إعلامها حرًا أبيًا ومنارة للوعي.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية