تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

مئوية الآداب والعلوم

شهد العام 2025 الذي ودعنا منذ أيام سلسلة احتفالات علمية وأكاديمية وقومية لمئوية جامعة فؤاد الأول. ذلك أن الجامعة الأهلية التي أنشئت عام 1908، كأول جامعة حديثة في مصر، قد تحولت العام 1925 إلى جامعة حكومية هي جامعة فؤاد الأول التي تعد بدورها أول جامعة حكومية في مصر.

 

سبقتها المدارس العليا التي أنشأها محمد علي في الربع الثاني من القرن التاسع عشر، شاملةً للتخصصات المهنية العسكرية والمدنية: المدرسة الحربية (الجهادية) ومدرسة المدفعية ومدرسة الفرسان (السواري) ومدرسة البحرية،ثم المهندسخانة أومدرسة الهندسة ومدرسة الطب ومدرسة الصيدلة ومدرسة البيطرة ومدرسة الفلاحة (الزراعة) ومدرسة الري والمساحة ومدرسة الكيمياء التطبيقية، فضلا عن مدرسة الألسن ومدرسة المحاسبة (الدفاتر) ومدرسة الإدارة أو الديوان لإعداد موظفي الدولة، ومدرسة الفنون والصناعات، بل وحتى مدرسة للموسيقى العسكرية.

اقتصرت هذه المدارس جميعها على تلبية احتياجات الجيش والدولة، بالتعبير الجاري الآن: اقتصرت على سد حاجات سوق العمل. كان المدرسون معظمهم فرنسيون، ثم إيطاليون ونمساويون وبعض ألمان وأتراك،ومصريون عائدون من بعثاتهم في فرنسا وإيطاليا.

إنهم أساتذة علماء مؤهلون تمامًا؛ فكان التعليم عاليًا بمعنى الكلية. وفي عام 1845 أصدرت مدرسة الطب في القصر العيني مجلة اليعسوب (ذكر النحل) لتكون باكورة النشر العلمي العربي. فلماذا نرى بداية التعليم الجامعي الحديث في مصر عام 1908 أو1925، غير معترفين بمدارس محمد علي الرائدة؟ ذلك لأنها اقتصرت قصرًا وحصرًا على العلوم المهنية التطبيقية، واستبعدت تمامًا العلوم النظرية والعلوم البحتة والبحث فيهما، ولا جامعة غير مرتكزة على هذين الضلعين العماد.

وبالتالي كانت نشأة جامعة فؤاد الأول، أو إنشاء أول جامعة حكومية في مصر، إنما هو بإنشاء كليتي الآداب والعلوم، توأم ولدا معًا في مارس 1925،وانضمت إليهما مدرسة الحقوق ومدارس محمد على الواحدة بعد الأخرى ثم كلية دار العلوم. أنشئت كليات مستجدة تباعًا، وصولاإلى كلية الدراسات العليا للنانو تكنولوجي التي لا مثيل لها في الشرق الأوسط. ووصولا إلى مئوية جامعة القاهرة لتبدو في صلبها مئوية كليتي الآداب والعلوم.

فكان من أجمل احتفالات المئوية ندوة عقدت بكلية الآداب في منتصف ديسمبر بعنوان «كلية الآداب وكلية العلوم: تاريخٌ مشترك». تحدث أساتذة التاريخ الحديث عن هذا التاريخ المشترك، وألقى أستاذ الكيمياء الدكتور حامد عبد الرحيم عيد درسًا مفيدًا وعرضًا بديعا لسيرته الذاتية بين العلوم والآداب، أوالدراسات الطبيعية والإنسانية معًا.

وباعتباري متخصصة في فلسفة العلم، حيث اللقاء الحميم بين الآداب والعلوم، حضرت هذه الندوة بمجامع نفسي. وفي مداخلتي قلت إن ما بين كلية الآداب وكلية العلوم تاريخٌ مشترك وواقعٌ مشترك.. ورسالةٌ مشتركة، يجسدها كتاب ( رولان أومنيس، فلسفة الكوانتم: فهم العلم المعاصر وتأويله، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2008).تفضل بمشاركتي في ترجمة هذا الكتاب أستاذ الفيزياء الأكبرالدكتور أحمد فؤاد باشا، عميد كلية العلوم ونائب رئيس جامعة القاهرة الأسبق، عضو مجمع اللغة العربية والمفكر الإسلامي المرموق.

وكنت حين صدور ترجمة هذا الكتاب رئيسًا لقسم الفلسفة. وبهذا التوصيف لهوية المترجمَين، تبدو الترجمة تواصلا وتناميًّا لمسلكٍ حميد شهدته الثقافة العربية في أواسط القرن العشرين،تلك الحقبة التي كانت متوثبة صوب الاستقلال والتحرر القومي والتنهيض والتحديث.في أوانها كان مصطفى مشرفة عميد كلية العلوم، وحين رحيله في 15 يناير1950 عن واحدٍ وخمسين عامًا قال آينشتاين:»كلا.. لا تقولوا إن مشرفة مات، إنه ما زال حيًا بيننا من خلال أبحاثه. نحن بحاجة إليه… إنها خسارة فادحة». كان عميد العلوم مشرفة يدافع عن دور الأدب في الحياة، بينما يدافع عميد الآداب طه حسين عن دور العلم في الحضارة.

وفي هذا الإطار المستنير نجد أول أستاذ للرياضيات البحتة في تاريخنا الدكتور محمد مرسي أحمد (1908 – 1989)، كان أيضا عميد كلية العلوم ثم وكيلا لجامعة القاهرة ووزيرا للتعليم العالي،يجتمع مع أستاذ ورئيس قسم الفلسفة الدكتور أحمد فؤاد الأهواني (1908 – 1970)، لتقديم فلسفة الرياضيات إلى المكتبة العربية عن طريق الاشتراك معًا في ترجمة كتاب برتراند رسل «أصول الرياضيات»، وظهرت الترجمة في خمسينيات القرن العشرين.

وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بعد نصف قرن، يجتمع مرة ثانية أستاذ للفيزياء عميد للعلوم مع أستاذ رئيس لقسم الفلسفة في تقديم «فلسفة الكوانتم» إلى المكتبة العربية بترجمة كتاب رولان أومنيس المذكور. إنه التمثيل العيني لمهمة عقلية ورسالة حضارية من أجلها كانت فلسفة العلوم، ألا وهي تأكيد التحاور والتعاون بين الفلسفة والعلم، ورأب الصدع بين العلوم والإنسانيات الذي قيل عنه إنه أشأم معركة شهدتها ساحات الذهن والمعرفة، وآن لها أن تنقشع لكي تسود المجال العقلية المتكاملة، الأكثر ثراءً وإنتاجًا.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية