تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
القرصنة الاقتصادية تحل محل العولمة
بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران فى 28 فبراير 2026 دون إجازة من المؤسسات الدولية المعنية، وفى غيبة إعلان واضح لأهداف من أشعلها، وفى ظل تضارب التصريحات المُتعلقة بالنطاق الزمنى والجغرافى لتلك الحرب، نجد أنفسنا لا يمكننا إلا أن نتعامل مع الآثار التى تنتج عنها.
ومع دخول هذه الحرب فى أسبوعها الرابع، تبرز أهم نتائجها فى حدوث أضرار بالغة فى منظومة البترول والغاز بدول الخليج بما يعصف بنحو 20 % من الإمدادات العالمية للبترول، وما يزيد على 25 % من إمدادات الغاز العالمية، ورغم مُحاولات التخفيف من آثار توقف تلك الإمدادات، إلا أن تعويضها بالكامل يُعتبر أمرًا مُستحيلًا فى المدى القريب، والأصعب هو أن الأضرار التى أصابت هذا القطاع تحتاج لسنوات ولاستثمارات بالمليارات حتى تعود لسابق عهدها.
وفى آثر آخر نجد أن نحو 30 % من تجارة الأسمدة العالمية تتأثر سلبًا بهذه الحرب بما يهدد نحو 30 % من صادرات الأسمدة النيتروجينية، ونحو 70 % من إمدادات اليوريا، وهو ما دفع نحو تضاعف أسعارها، مما سيترتب عليه تقليل استخدامها وهو ما يُمثل تهديدًا مُباشرًا للإنتاج الغذائى العالمى، ومع تنوع آثار تلك الحرب إلا أن أخطر نتائجها المُنظرة هو الإجابة عن سؤال، من سيتحكم فى مضيق هرمز مُستقبلًا.
المرور فى المضايق المائية العالمية تحكمها اتفاقية قانون البحار لعام 1982، والتى تُتيح للدول حُرية المرور المُستمر والسريع للسفن والطائرات، دون إجازة للدول المُشاطئة إيقاف أو تعطيل هذا المرور العابر، والأصل هو خضوع مضيق هرمز لهذه الاتفاقية. ولكننا نجد أن دولة إيران التى لم تصدق رسميًا على تلك الاتفاقية لا تُلزم نفسها ببعض مقرراتها، والولايات المُتحدة الأمريكية التى تُعتبر من الدول التى وقعت على تلك الاتفاقية والتزمت بها مُنذ عام 1994 نجد أنها تقوم بتجاوزها حاليًا من خلال تصريحات الرئيس ترامب التى أعلن فيها رغبته فى السيطرة والتحكم فى حركة المرور عبر مضيق هرمز، مع قبوله بأن يتعاون معه فى ذلك من يسمح لهم بالتعاون وفقًا لشروطه. وهنا يظهر الجانب القبيح من هذه الحرب، والتى تدخلها الولايات المُتحدة الأمريكية للبحث عن أدوات سيطرة اقتصادية بالقوة العسكرية.
فخلال العقود السابقة سيطرت على العالم الأفكار النيوليبرالية، التى تمت صياغتها فى نموذج العولمة القائم على بناء عملية إنتاج تكاملى بين دول العالم، بحيث يتم الاستفادة من الميزة النسبية لكل منطقة، مع ضمان انتقال حر للسلع والخدمات ورؤوس الأموال، والثقافات. تبنت المؤسسات الدولية تلك الأفكار، وقامت بتنظيم حرية التجارة، وتوسعت استثمارات النقل واللوجستيات، والتزمت الدول بالقيود الدولية الخاصة بالمناخ، والحد من القيود الجمركية، والعمل على الانفتاح وضمان حرية الأسواق، وهو الآليات التى انضمت إليها مُعظم دول العالم بما فيها الدول الاشتراكية وعلى رأسها الصين وفيتنام، وغيرهما من الدول التى حصلت على دعم وتشجيع من القوى الكبرى للانضمام لهذا النظام العالمى الذى حكم العالم، ونجح فى الانتقال بالشعوب إلى درجة أفضل من درجات الرفاهية.
لا يوجد نظام عالمى سيستمر إلى الأبد، ودائمًا ما يحتاج هذا النظام لتطوير وتجديد لآلياته، وقد عانى النظام العالمى النيوليبرالى لسنوات، وانعقدت الكثير من المؤتمرات وناقشت آلاف الدراسات مسألة رسم المسار لمُستقبله، ولكن واجه ذلك صعوبة تضارب المصالح بين القوى المؤثرة، وكان أهم عائق حال دون التوافق على صناعة المُستقبل، هو أن الولايات المُتحدة الأمريكية لم تجد نظرية أو تنظيمًا اقتصاديًا مُحكمًا يضمن لها التفوق الاقتصادى والحفاظ على مكانتها كقطب واحد للعالم، وبدأت تظهر قوى اقتصادية كبرى تُهدد العرش الأمريكى، وكان من أهمها ذلك النمو الكبير للتنين الصينى، والنهضه التى حدثت فى روسيا، والبدء فى إجراءات تنظيم عالمى موازى عبر تكتل بريكس، وغير ذلك.
لم تجد الولايات المُتحدة أمامها إلا استخدام قوتها العسكرية لضمان تفوقها الاقتصادى، حيث استخدمت قوتها فى السيطرة على البترول الفنزولى، واتجهت نحو الخليج لفرض سيطرتها على مضيق هرمز، للتحكم فى إمدادات النفط للصين، ودول أسيا، بعد أن أنهكت الاقتصاد الروسى فى حرب استنزاف نجحت من خلالها فى إضعاف روسيا وأوروبا معًا.
الولايات المُتحدة التى أظهرت رغبة فى السيطرة على مضيق هرمز، تعتقد أن ذلك سوف يضمن لها التحكم فى سلاسل إمدادات الطاقة والأسمدة للقوى الاقتصادية المُنافسة لها، وهى فى ذلك لا يعنيها ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، فى ظل تنامى أفكار المالتسيون الجدد الذين يروا أن أعداد السكان فى العالم أكثر مما ينبغى، وأن أى إجراء يُساعد على الحد من أعدادهم يُعتبر من الإجراءات المشروعة، بما فى ذلك الارتفاع الكبير فى أسعار الغذاء. وهكذا فإن الولايات المُتحدة تدخل حرب الخليج باحثة عن صناعة ميزة نسبية للاقتصاد الأمريكى عبر الحد من نمو الاقتصادات المُنافسة والدول المُتعاونة معها، والسيطرة على سلاسل الإمداد، وفرض رسوم، واستقطاب قسرى لاستثمارات داخل السوق الأمريكى يدفع الولايات المُتحدة للمزيد من النمو والرفاهية، حتى لو كان ذلك على أنقاض الأخرين.
تابعنا خلال السنوات السابقة تنامى قوى اليمين المُتطرف، وسيطرة النزعات القومية لدى العديد من الديموقراطيات فى العالم، ولكن لم يكن أحد يتصور أن الأمر سيتجاوز ذلك لتتجه أمريكا مُنفردة نحو صياغة نظام عالمى بالقوة العسكرية، يضمن تفوقها الاقتصادى عبر ثمار القرصنة العسكرية، فالحرب فى إيران تُظهر يومًا بعد يوم أن لها أهدافًا أبعد من مجرد القضاء على برنامجها النووية، وأنها تدخل فى كونها أهم خطوة من خطوات صياغة عالم جديد يضمن التفوق الاقتصادى الأمريكى بالقوة العسكرية.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية