تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > د. هدى رءوف > حرب ترامب وعدم فهم العقلية الإيرانية

حرب ترامب وعدم فهم العقلية الإيرانية

ربما يمثل أهم عوامل استمرار الحرب الإيرانية ـ الأمريكية ـ الإسرائيلية هى عدم فهم الإدارة الأمريكية للرئيس دونالد ترامب للعقلية الإيرانية، فحديث ترامب عن أن خريطة إيران بعد الحرب ربما تكون قد تغيرت، سيؤدى إلى أن الحرب لم تعد تتعلق باستعادة لردع ثم الحفاظ على بقاء النظام بل انتقلت الى أنها حرب وجودية, مما يعد أخطر تطور للصراع. ستؤدى إلى تقوية المتشددين ورفع السقف العسكرى وتعبئة داخلية للمواطنين.

 

تاريخيا تنظر إيران الى ذاتها كونها قوة إقليمية كبرى تاريخيا، وقد اصطدمت تصريحات ترامب مع مبادئ تتعلق بالشعور القومى ووحدة الأراضي، التى هى ركيزة عميقة فى الهوية السياسية والتاريخية للدولة. شهدت إيران عددًا من الأحداث والتطورات السياسية التى كان لها الأثر الفاعل والمهم فى تشكيل إدراك وتصورات القادة الإيرانيين لعلاقات إيران بالغرب وأفكارهم حول الاستقلال، وتبلور المبادئ الديمقراطية والقومية، وأفكار الاستقلال والحرية لدى المجتمع الإيرانى منذ بدايات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وتزامنت تلك الأفكار مع ازدهار الأفكار الإصلاحية لدى العلمانيين والمحافظين والقوميين. وكان ازدهار هذه المبادئ والأفكار فى تلك الفترة نتيجة لعدد من التحولات التاريخية التى شهدتها إيران، وارتبطت بشكل أساسى بوقوع إيران فى خضم التنافس الأوروبى فى القرن التاسع عشر، فتبلورت تلك المبادئ فى عدد من الأحداث التاريخية المفصلية التى لعبت دورًا فى تعزيز قيام رجال الدين بدور سياسى من جهة، وفى تغذية المشاعر المعادية للنفوذ الأجنبى لدى جميع التيارات الفكرية من جهة أخري. ثم سرعان ما لبثت هذه الأفكار أن وعادت فى فترة حكم الشاه مع قرار الدكتور محمد مصدق فى خمسينيات القرن العشرين، بتأميم صناعة النفط واصطدمت حينها إيران بالنفوذ الأجنبي، ومن هذه الأحداث التاريخية قبل حكم الشاه (احتجاجات التبغ- الثورة الدستورية)، ثم أزمة محمد مصدق وتأميم النفط فى أثناء حكم الشاه.

ففى بداية القرن التاسع عشر ونتيجة ضعف الأسر التى حكمت الدولة الإيرانية، خسرت إيران كثيرا من أراضيها نتيجة لعدد من الاتفاقيات مع الدول الأوروبية مثل الإمبراطورية العثمانية وبريطانيا وروسيا، ثم استطاعت روسيا وتمكنت من اختراق الدولة والمجتمع الإيرانى عبر امتيازات عدة، بسب معاهدتين مهينتين هما جولستان وتركمانشاي، أيضا بريطانيا استطاعت الحصول على عقود امتيازية حصلت بموجبها على تنازلات وامتيازات فى معظم القطاعات الاقتصادية، وأهمها النفط عام 1901، و امتياز التبغ كذلك، الذى أدى إلى تأجيج احتجاجات المواطنين حول الاتفاقيات والتفويضات الأجنبية، ومن ثم حدثت احتجاجات التبغ التاريخية عام 1890، أسهمت تلك الثورة بجانب الثورة الدستورية عام 1901 فى بلورة الأفكار الإسلامية والفارسية حول مفاهيم الوطن لدى الديمقراطيين والقوميين العلمانيين والإسلاميين الإصلاحيين. وأثرت الأفكار القومية لميرزا مالكوم خان حول الوطن، والقيم الإسلامية لجمال الدين الأفغانى حول الحرية والتحرر من هيمنة الغرب فى تغذية احتجاجات التبغ. وكان لنجاح تلك الاحتجاجات بعد ذلك دور فى إضفاء الطابع المؤسسى على مفاهيم الاستقلال والحرية من خلال إدراجهما فى أول دستور إيرانى عام 1906، كمبدأ أساسى لدى إيران. واستنادًا لمبادئ الدستور عمل ممثلو البرلمان على التحكم فى السياسات الاقتصادية، وإدارة الميزانية، والتحكم فى نقل الموارد الوطنية للقوى الأجنبية وإبرام المعاهدات الدولية والاتفاقيات. وقام أول مجلس برفض اقتراح الحكومة الحصول على قروض أجنبية، واحتج ضد الاتفاقية الأنجلو الروسية عام 1907 لتقسيم إيران إلى مساحات نفوذ فيما بينهما. أما فى أثناء حكم الشاه محمد رضا بهلوى 1941-1979، حدثت أزمة محمد مصدق وتأميم النفط، وقد كان الدكتور محمد مصدق رئيس الوزراء الإيرانى فى عهد الشاه محمد رضا بهلوى فى الفترة 1951-1953، واشتهر مصدق بقرار تأميم النفط الإيراني. وقد أشار مصدق من قبل إلى أن مفاهيمه حول الاستقلال والحرية متأثرة بحقبة الثورة الدستورية، وأُطلق على فترة توليه الحكومة أنها إحياء للحقبة الدستورية. وأعلن أن هدف الحركة القومية هو نفس أهداف حركة التبغ والثورة الدستورية، وهو إنهاء الطغيان والتدخل الأجنبي. وكانت دعوة مصدق للسيطرة على صناعة النفط الإيرانى بدلًا من التدخل البريطانى والروسي، كخطوة لاصلاحات اقتصادية وسياسية. وتتضح تأثيرات هذا القرار بالنظر إلى تداعياته والنتائج المترتبة عليه فيما بعد. فعلى الرغم من كون مصدق ينتمى للجبهة الوطنية فإن قرار التأميم وجد دعما ضمن التيارات والأحزاب الأخري، كالماركسيين ورجال الدين، وطبقة البازار (التجار) فقد كانت هناك أرضية مشتركة جمعت كل التيارات الفكرية المختلفة وهى معاداة النفوذ الغربى فى البلاد. ويشبه البعض هذا التوافق بما حدث أثناء الثورة الإيرانية التى جمعت بين الفرقاء على خلفية إسقاط الشاه حليف الغرب.

ومن ثم فإن تصريحات ترامب ستجعل الإيرانيين المعارضين للنظام يشعرون بالخطر واعتبار الحرب ليست صراعا مع نظام سياسى يعارضونه إنما تهديد للدولة الإيرانية ذاتها. إن القومية الإيرانية دائما ما تتغلب على الانقسامات السياسية عندما يتعلق الأمر بالسيادة، من جهة أخرى سيتم رفع السقف العسكرى من قبل القيادة الإيرانية التى ستعتبر هدف الحرب تفكيك الدولة الإيرانية. إن طرح فقدان الأراضى وتفكيك الدولة الإيرانية سيحول الصراع فى وعى الإيرانيين من صراع سياسى إلى صراع وجودي، كما أن ضرب البنية التحتية المدنية والاقتصادية للدولة مثل مخازن الوقود ومطار مهرآباد المدنى فى طهران، إضافة إلى محطة تحلية المياه فى جزيرة قشم، يثير التساؤل لدى الداخل الإيرانى حول الهدف من الحرب وادعاءات ترامب بشأن مساعدة الإيرانيين الراغبين فى التخلص من النظام اذا كان يتم تدمير مقدرات الشعب.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية