تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
مواجهة حتمية
لم ينقطع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عن توجيه تهديداته لإيران منذ اللحظة الأولى من انطلاق المفاوضات التى دخلت جولتها الثانية فى جنيف دون تقدم ملموس، ومؤخرا أعطاها مهلة زمنية لا تتجاوز خمسة عشر يوما للوصول إلى اتفاق، وإلا ستكون العواقب «سيئة للغاية» حسب قوله،
ويأتى ذلك بالتوازى مع تزايد الاستعدادات العسكرية واتجاه أكبر حاملة طائرات فى العالم «يو إس إس جيرالد فورد» نحو شواطئها لتلحق بالأخرى العملاقة «أبراهام لينكولن»الراسية فى بحر العرب، بل ويدرس الكونجرس حاليا مشروع قرار لمنح الرئيس تفويضا بالحرب حال فشلت المباحثات ،
وفى المقابل، ترد طهران باظهار جهوزيتها لصد أى ضربة محتملة عبر إجراء مناورات عسكرية مشتركة مع روسيا وتدريبات للحرس الثورى فى مضيق هرمز، بينما ترفع إسرائيل درجة التأهب القصوى تحسبا لأى تطور مفاجئ، وهى مؤشرات توحى بأن هناك مواجهة قادمة، وأن عملية التفاوض ليست سوى غطاء لكسب الوقت إلى أن تحين لحظة الحسم، فهل اقتربت ساعة الصفر؟.
تصريحات المبعوث الأمريكى ومستشار الأمن القومى ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر المستشار السياسى وصهر الرئيس تفيد بعدم إمكانية الوصول إلى اتفاق جيد أو صفقة مع طهران بحكم طبيعة النظام الجامدة والمؤدلجة، وذهبا إلى حد القول إن «الأمر يكاد يكون مستحيلا» وأن المفاوضات لا طائل منها، وهو نفس ما أكدته المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت بأنه ليس هناك تقدم ملموس.
والواقع أن ما يطلبه ترامب من إيران ليس سهلا، وموزع على أكثر من مستوى، بداية من التخلى عن طموحها النووى إلى إزالة ترسانتها الصاروخية التى تعتبرها مركز قوتها الدفاعية، بالاضافة إلى الكف عن تسليح وتمويل وكلائها فى المنطقة، أى ترفع أيديها عن حزب الله لتتحرر السلطة اللبنانية من سطوته وتعود لتملك قرارها، مثلما يطالبها بعد أن خسرت سوريا بسقوط نظام بشار، بأن تقبل طواعية بعدم التدخل فى تشكيل الحكومات فى العراق،
أو بعبارة واحدة أن تنتهج سياسة انسحابية من مناطق نفوذها التقليدية، وأن تُسقط مبدأ تصدير ثورتها للخارج المنصوص عليه فى دستورها، وكلها طلبات تعتبرها واشنطن واجبة التنفيذ لابرام صفقة معها، وخطوط حمراء لا يمكن التراجع عنها، كما أنها مصحوبة بممارسة ضغوط اقتصادية هائلة خاصة على صادراتها من النفط إلى الصين.
وهذه ليست مجرد قضايا خلافية حول التفاصيل، لأن المتصور أمريكيا أن تأتى هذه الشروط بـ«إيران جديدة» تنكمش داخل حدودها، بعد أن كانت على مدى عقود قادرة على التغلغل فى الاقليم وبسط نفوذها فيه، وإبعاد أى معركة عن أراضيها حيث تتكفل أذرعها بالمهام القتالية، دون الحاجة لانخراطها المباشر فى الصراعات والمواجهات حتى وإن كانت هى محركتها الحقيقية، أما المشهد الحالى فيبدو مختلفا تماما، وسيكون عليها خوض معركتها بنفسها للنهاية.
لذا فالتوصل إلى أرضية وسط لحل الخلافات يعتبر صعبا ويكفى الملف النووى للتدليل على ذلك، فالخلاف حول «تصفير» تخصيب اليورانيوم مازال قائما، ويتمسك به المفاوض الأمريكى، ومع فرض أن قبلت إيران تحت الضط والتهديد بنقل اليورانيوم المخصب إلى خارج أراضيها كما سبق وطُرح من قبل كمطلب إسرائيلى، ستثار المشكلة حول المكان الذى سيذهب إليه والمدى الزمنى لاستعادته، والمقصود أن التنازلات الإيرانية قد لا يكون لها جدوى كبير الآن لأن المتوقع منها بعد الضربات الموجعة التى تلقتها هو الإذعان الكامل.
والواضح أن هذا ما تراهن عليه إسرائيل والذى أبلغه رئيس وزرائها بنيامين نيتانياهو للرئيس الأمريكى أثناء زيارته الأخيرة للولايات المتحدة، حيث أبلغه بأن أى اتفاق يجب أن يتضمن تفكيك البنية التحتية النووية، وليس مجرد وقف عملية التخصيب مع نقل اليورانيوم المخصب بأكمله، و تعميق التفتيش الدولى حول مجمل برنامجها النووى، وأضاف بأنه لا يجوز الوصول إلى أى اتفاق مادامت محتفظة بصواريخه الباليستية التى يعتبرها تهديدا وجوديا لبلاده كونها تستطيع خلال أيام إطلاق ما يقرب من 700 صاروخ صوب تل أبيب.
لهذه الأسباب فليس من المتوقع، أن تؤتى المفاوضات بنتائج مثمرة، إذ تبدو وكأنه لا جدوى منها، وهو ما أشارت إليه نيويورك تايمز بأن الخيارات العسكرية كانت مطروحة دوما جنبا إلى جنب مع بدءالمسار التفاوضى، الذى تم إطلاقه وسط حشود عسكرية أمريكية مكثفة، ووضع داخلى هش تمر به الجمهورية الإسلامية اثر حركة الاحتجاج الضخمة التى طالبت باسقاط النظام، وهو ما يوظفه ترامب ، خاصة عندما يلمس تشددا من المفاوض الإيرانى فلا يتردد فى القول إن «تغيير النظام قد يكون أفضل شىء يمكن أن يحدث».
لكن هذا الكلام لا يعنى أن الإدارة الأمريكية قادرة أو راغبة فى تنفيذ مثل هذا السيناريو فى الوقت الراهن، لأسباب عدة أهمها التدخلات والخبرات القاسية السابقة فى العراق وليبيا وغيرهما والتى فتحت بابا للفوضى والارهاب، فضلا عن، وهذا هو الأهم، عدم وجود بديل سياسى جاهز موثوق به للتعويل عليه، وهناك أيضا تحفظات الدول الإقليمية من مخاطر استهدافها واستهداف القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها حال إدراك النظام اقتراب نهايته، وهو ما يلوح به دائما مرشده العام على خامنئى.
يضاف إلى ذلك أن ترامب المولع بعقد الصفقات والجمع بين السياسة والبيزنيس، ليس مغامرا بالمعنى العسكرى للكلمة، فهو ليس كجورج بوش الابن على سبيل المثال، وإنما يبحث دائما عن مكسب منخفض التكالف لا يكبده خسائر كبيرة ويكون مضمون النتائج فى الوقت نفسه، لذا فهو يفضل الضربات الخاطفة أو الحرب السريعة التى لا تتطلب تدخلا بريا أو حرب استنزاف طويلة كتلك التى يتطلبها التخلص من أى نظام، وتعتمد فى المقابل على الضربات الجوية، مثلما حدث فى حرب الـ12 يوما التى خاضها مع إسرائيل ووجهها لهدف محدد وهو المنشآت النووية الإيرانية.
وبالتالى فجميع التحضيرات الحالية بما فيها الدبلوماسية، لا تنفصل عن السعى الأمريكى لتوجيه ضربة قاصمة وسريعة لنظام الملالى، لن تسقطه على الفور، ولكنها ستضعفه إلى أقصى قدر ممكن، وتضعه على حافة الهاوية.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية