تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
بين السياسة والبيزنس
على هامش المنتدى الاقتصادى العالمى السنوى فى دافوس بسويسرا والذى يجمع قادة السياسة والأعمال فى العالم، وقع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الأسبوع الماضى، الميثاق التأسيسى لمجلس السلام الذى أنشأه بمبادرة منه، ليحول حلمه فى إقامة هذا الكيان الجديد إلى حقيقة واقعة!
وصرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت بأن «الميثاق قد دخل بذلك حيز التنفيذ وبات مجلس السلام منظمة دولية رسمية».
ولم تكن تصريحات ترامب فى دافوس أقل أهمية ودلالة وحسما عن هذا الحدث الفريد، خاصة ما تعلق منها بالشرق الأوسط، إذ شدد بلغة حادة على حتمية تسليم حركة حماس سلاحها، وقال نصا «إن لم تفعل فستكون نهايتها»، وأنه سيعمل على نزع سلاحها، وضمان إدارة القطاع بشكل جيد وإعادة إعماره، وهو الشرط الأساسى الذى لا رجعة فيه بالنسبة له لانهاء الحرب فى غزة، وبدونه يستمر القتال معها دون سقف زمنى أو حلول وسط، وفى السياق ذاته خاطب إيران بأسلوب يحمل الكثير من التهديد والوعيد، بعد أن ذكرها بالضربات الأمريكية على منشآتها لتخصيب اليورانيوم التى شملت ثلاثة مواقع رئيسية العام الماضى، مؤكدا عدم السماح لها بأن تمتلك سلاحا نوويا، وأنها إن فعلت فسيتكرر الأمر، وزاد، من على متن طائرته الرئاسية، أن قوة عسكرية هائلة تحوى عددا ضخما من السفن الحربية وحاملات الطائرات وفى مقدمتها الحاملة العملاقة «أبراهام لينكولن» تحركت من آسيا والمحيط الهادى متجهة نحو طهران، التى أشار الى أنه يراقبها عن كثب،
ولا شك فى أن تحرك الأسطول الأمريكى على هذا النحو ينبئ باحتمال القيام بعمل عسكرى، بالإضافة إلى أنه هددها أكثر من مرة بالتدخل المباشر، بسبب قتلها المتظاهرين فى الاحتجاجات التى اندلعت ضد النظام بالآونة الأخيرة، بل لم يُخف فى تصريحاته العلنية تلك، أنه طالبها بوقف الإعدامات بحق ما يزيد على 800 متظاهر، الأمر الذى رضخت له السلطات الإيرانية، حتى وإن أنكر ذلك حرسها الثورى على مستوى خطابه المعلن.
والواقع، أن هذه الأولوية التى أعطيت للشرق الأوسط كما أظهرتها تصريحات الرئيس الأمريكى، لم تكن مصادفة، ففكرة المجلس فى الأصل قامت أساسا للإشراف على إدارة غزة وإعادة إعمارها، من خلال صيغة مؤسسية أمريكية، أى كانت مرتبطة بالحرب الدائرة هناك علاوة على شئون المنطقة عموما بحكم تشعب الأزمة وتعدد الأطراف الداخلة فيها، لكن ميثاقه جاء لينص على مهمات أوسع بكثير تشمل السعى إلى حل نزاعات أخرى فى أنحاء مختلفة من العالم.
من هنا وجهت الدعوة إلى 60 دولة أوروبية وعربية وآسيوية وإفريقية، علاوة على روسيا والصين للانضمام إليه، والغالبية منها قبلت، لكن بقيت دول متحفظة أو رافضة وفى مقدمتها فرنسا وإسبانيا، خشية أن يكون بديلا للأمم المتحدة، وسيترأس ترامب المجلس مدى الحياة بصفته الشخصية و ليس كرئيس للولايات المتحدة حتى لا يكون مقيدا بفترة زمنية محددة تنتهى بانتهاء ولايته، وستكون له صلاحيات شبه مطلقة فى اتخاذ القرارات أو تعديلها أو رفضها، كما يضم المجلس عددا من الشخصيات البارزة فى إدارته ومستشاريه المقربين أمثال مارك روبيو وستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، والعديد من أكبر رجال الأعمال، إضافة إلى تونى بلير رئيس الوزراء البريطانى الأسبق الذى سبق أن قاد تحولا داخل حزب العمال البريطانى الذى ينتمى إليه ليجعله أكثر يمينية، مثلما لعب دورا محوريا فى اللجنة الرباعية المكلفة بالسلام فى الشرق الأوسط، كما دعم بشدة حرب العراق، ما جعل اختياره محل جدل فى الأوساط العربية، أما عضوية الدول الأخرى فمُقرر لها ثلاث سنوات، ويمكن لمن تسهم منها بمبلغ مليار دولار سنويا، تحت شعار تطوير أنشطة المجلس، أن تنال عضوية دائمة، وبذلك يجمع التشكيل بين السياسة والبزنس.
فى كل الأحوال، فمجلس السلام سيبدأ أولا فى تناول ملف غزة، كما كان مقررا من البداية، الأمر الذى أكسب تديشنه زخما فى المنطقة، ثم يتوسع بعد ذلك للتعامل مع الصراعات العالمية.
لذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلى نيتانياهو من أوائل من دُعوا للانضمام، ورغم ما صرح به من أنه لم يكن يعلم بدعوة كل من تركيا وقطر، باعتبارهما من داعمى حماس ولن يعملا على نزع سلاحها، إلا أن ذلك يُعد من قبيل الخطابات المعتادة للاستهلاك المحلى، وهو ما أكدته صحيفة يديعوت أحرونوت التى نفت أن يكون هناك خلاف بين تل أبيب وواشنطن حول تركيبة المجلس لأنه لم يكن بوسع الأولى تغييرها، كما لم تكن هناك خلافات جذرية بينهما حول سبل التطبيق، وأن تيار اليمين المتطرف فى الحكومة الذى يتزعمه وزير المالية يتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومى إيتمار بن غفير، هما من تزعما هذه الحملة وهددا بالانسحاب من الحكومة الائتلافية، ما سيتسبب فى انهيارها، بل وطالبا بوضع إنذار نهائى ومهلة قصيرة لها، لإلقاء السلاح، ونفى قيادتها للخارج، للقضاء عليها بعد ذلك مدنيا وعسكريا، وفتح معبر رفح فى اتجاه واحد، والسماح لسكان غزة بالخروج منها، أى تهجيرهم قسرا أو طوعا، وذلك فى سياق الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
ولطمأنة هذه المعارضة، نقل نيتانياهو رسالة مفادها، أنه إذا لم تُجرد حماس من سلاحها، فإن الإدارة الأمريكية ستدعم إسرائيل فى أى عمل عسكرى، خاصة أن ترامب، سيصبح الحاكم الفعلى للقطاع، لهذا لم يكن غريبا أن يستمر الجيش الإسرائيلى فى شن غاراته العنيفة على مختلف المناطق فى غزة، بما فيها المدينة، متجاوزا الخط الأصفر، الذى أقرته اتفاقية وقف إطلاق النار مع حماس التى دخلت حيز التنفيذ أكتوبر الماضى، والذى اعتبره رئيس الأركان الإسرائيلى، إيال زامير بأنه الخط الذى يمثل الحدود الجديدة مع القطاع.
ويبقى السؤال: عن مستقبل القضية الفلسطينية؟
صحيح أن مجلس السلام يمكنه المضى قدما فى إعادة هيكلة قطاع غزة، بحكم التدفقات المالية والاستثمارات التى ستُضخ فيه لتوفير حياة معيشية أفضل لسكانه، لكن فى المقابل لن يكون هناك أفق سياسى لـ«حل الدولتين»، وعملية 7 أكتوبر التى أريد لها أن تكون طريقا لقيام دولة فلسطينية، فإذا بها تُحدث العكس.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية