تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
حلمك يا ست أمينة!
ذات يوم .. وصفها الكاتب الساخر أحمد رجب بأنها «الأمينة» على الصحافة، و«السعيد» من يقرأ لها. وقبلها بسنوات طويلة، كانت أول طالبة فى الجامعة تلعب التنس حتى إذا ما رآها أحد الطلبة استنفر الزملاء ليخرجوا أثناء المحاضرة، ويروا فتاة من دفعة السبعة ونصف تتحدى الجميع. مشكلة كبيرة، فدفعتها الجامعية تضم سبعة طلاب، وهى النصف. لأنها فتاة، ووالدها أحمد السعيد الطبيب يرى أن ابنته على حق.
فقرارات حلمى عيسى باشا وزير المعارف صاحب لقب وزير التقاليد مفهومة. ولكن أن يرسل لها العميد مع سكرتير الكلية...لا يوجد بنات يلعبن التنس، هذا أمر غير مقبول. ولماذا لم تطرح الكلية شروطها حين دفع الأب رسوم الألعاب الرياضية.
كان الوقت مبكرا جدا، وأمينة مولودة فى مايو 1910، وفى بعض المصادر 1914 ولم تسبقها كثيرات إلى الجامعة. ما زالت الأسماء المطروحة هى سهير القلماوى ونعيمة الأيوبى وفضيلة عارف وفاطمة سالم، وفكرة الالتحاق بالجامعة غير معهودة لأجيال من البنات، حتى فتح أحمد لطفى السيد صاحب شعار «مصر للمصريين» لهن الأبواب بكل ثقة. ووالدها هو من شجعها واختار لها قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب. كما أن أمينة ليست تجربته الوحيدة، فقد سبقتها أختاها كريمة وعزيزة فى التعلم فى إنجلترا، وأصبحت كريمة بفضل الله قيمة تعليمية كبيرة فى تاريخ مصر، وأول وكيلة ذات شهرة فى وزارة التربية والتعليم.
الحكاية الأولي
الزعيمة أم الأميرة
ولدت أمينة قبل ثورة 1919 الشاهدة على محاولات لاستعادة الصورة الوطنية. ويكفى أن جيل أمينة حصل بعدها على مقعد فى المدرسة والجامعة، ولم تحتاج أن تسافر مثل أختيها إلى الخارج. كما أنها اقتربت من هدى شعراوى نصيرة المرأة منذ صباها.
كان اللقاء الأول بينهما مذهلا، هذه هدى شعراوى التى رأتها أمينة لأول مرة عام 1925 بمدرستها التى كانت ناظرتها إنصاف سري، امرأة عالية الثقافة أوفدتها وزارة المعارف إلى إنجلترا لتتلقى تعليمها. وتصادف وقتها استعداد هدى شعراوى لإقامة مهرجان خيرى سنوى لتستعين بدخله فى أعمالها الخيرية الخاصة بمدرسة ومشغل الاتحاد النسائى ومصنع الخزف وبعثات الفتيات لتعلم فنون الحياكة والتطريز، فتطلب من الناظرة أن ترشدها إلى طالبة تنطق العربية «لا كأنصاف الخواجات».
وتستدعى أبلة الناظرة أمينة التى تخيلت أنها ستوبخها للعبها بالحديقة، ولكنها وجدت سيدة جميلة ذات هيبة تنظر إليها لأنها التلميذة التى تنطبق عليها المواصفات المطلوبة من براعة فى الإلقاء وإتقان اللغة العربية.
هكذا كتب لأمينة أن تشهد صراع العمالقة الذى بلغ أشده بين عملاقتى ذلك العهد، الأميرة شويكار وهدى شعراوى الذى التزمت جانبها أمينة. فكانت تنظر إلى الأميرة شويكار على أنها ربيبة القصور السلطانية التى عادت إلى مصر لرغبتها فى الانتقام لطلاقها من أحمد فؤاد الذى أصبح الملك فؤاد، وما ترتب عليه من إيداع شقيقها الأمير سيف الدين بمستشفى المجاذيب فى تركيا عقابا له على جريمة إطلاق الرصاص على زوج أخته، وفى المقابل تنظر إلى هدى شعراوى بفخر، لأنها توفد بعثات نسائية للتخصص فى الفنون، وتقيم مصنعا للفخار الممتاز، بالإضافة لاهتمامها بما يحدث فى فلسطين.
لم تحتفظ أمينة بهذا الانحياز لأنها الذكرى الوحيدة مع العائلة المالكة، فعند عودة أختها كريمة الناجحة من إنجلترا حاملة لشهادة البكالوريوس مع مرتبة الشرف، عهد إليها الملك فؤاد تعليم الأميرات فوزية وفائقة وفايزة.
كم كانت الأميرات غاية فى الأدب والرقة، لكن وجود مربية إنجليزية تعتبر نفسها سيدة القصر أفسد الأمر، حتى إن الملكة نازلى نفسها لم يكن لها أدنى حيلة أمام هذه المربية المستبدة. التى أعلنت الحرب على كريمة طول العام الذى قضته فى القصر. أما ذكريات أمينة الأخيرة فتتعلق بالملك فاروق الذى طالبته بالتبرع لإحدى الجمعيات الخيرية.
الحكاية الثانية
صحفية بثلاثة جنيهات
لم تكن لتفعل هذا لولا عملها بالصحافة، وكثير من الأدباء دخلوا إلى عالم الإبداع من بوابة الصحافة ظنا منهم أنها ستعينهم على تحقيق الشهرة والمكانة.
لكن الصحافة هى من اختارت أمينة، حين وجد فيها مصطفى أمين اختلافا وجرأة، وشجعها على أن تعمل فى الصيف، وتذهب بالفعل إلى جريدة «كوكب الشرق» لتكتب وتترجم مقابل ثلاثة جنيهات، لم تحصل عليها بسبب الميزانية.
وتتعدد إسهاماتها، ويصدر قرار تعيينها فى «آخر ساعة» بعد انفراد صحفى كتبته مستشهدة بأحاديث زوجة رئيس الوزراء مع غيرها من زوجات الوزراء عند وجودها عند حمام سباحة بفندق سان ستيفانو، لتكشف الكثير مما يدور فى كواليس السياسة.
تصرف جريء حقا، لكن قصتها مع مؤسسة «دار الهلال» كانت مختلفة، فميزانيتها تسمح بأن يصل مرتب أمينة إلى ستة جنيهات كاملة. لكنها فرحة لم تتم، حيث أرسلت الدار إليها خطابا يفيد بأن مرتبها الكبير لا يتناسب مع إنتاجها الضئيل، وعليه فقد تقرر فصلها.
خبر كالصاعقة، لم تتصوره، فتذهب إلى طه حسين الذى يعرض عليها وظائف بديلة، ولكنها ترفض، لأنها تحب الصحافة ولا تجد بديلا لها.
كاد اليأس يطيح بها، وهى زوجة وأم، ولكن الزوج حين يعلم يقول لها: «لو كان فيكى الخير ما كان رماك الطير».
تعليق غريب من زوجها د. عبدالله زين العابدين الذى اختارته بعناية واقتناع، وتعرفت عليه حين كان جارا لأولاد رشاد باشا صديق والدها، ووجدته شابا واعدا ومعيدا بكلية الزراعة يذهب معها إلى الجامعة ثم يعود بها إلى بيت والدها.
أتراها أخطأت الاختيار؟ لا نعتقد، فما قصده الزوج أنها التحقت بالجامعة، لكنها لم تداوم على المعرفة. والحل فى اهدائها موسوعة فى الأدب العالمى صدرت فى عشرين جزءا، لتستغرق منها عاما ونصف العام لقراءتها بمشاركة زوجها، وتعود إلى دار الهلال، بعد أن أصبحت أكثر فهما ومعرفة، وكانت عند ظن إميل زيدان صاحب الدار الذى وصفها بأنها «أرجل» صحفية فى الدار.
الحكاية الثالثة
اسألونى عن همومكم
فى يوم آخر، كان موعد الاجتماع الأسبوعى حين اقترح الكاتب لطفى رضوان عمودا باسم «اسأليني»، ويبدأ بمشكلة يكتبها صحفى قدير ليفتح الباب أمام باب يهتم بالمشكلات.
إلا أن الباب لم يحقق أى نجاح يذكر، وهو ما يعنى فشله صحفيا، إلا أن رضوان عاد واقترح اسم أمينة السعيد لتكون مسئولة عنه.
وبالفعل قامت بالرد على المشكلة، ليفتح ذلك الباب ويصبح بابا أسبوعيا معروفا، لم تعد مشكلاته نسائية بحتة، فالرجال لهم نصيب. وباب بهذا الاسم لا يليق فيقرر صاحب دار الهلال أن يغير اسم الباب إلى «اسألوني»، ويستمر لأربعين عاما.
كانت الفتيات فى بدايته يبحثن عن سبل للتعليم، فتحول إلى مشكلات الزوجة العاملة، ثم عاصر دعوات مطالبة بعودة المرأة إلى البيت.
وأمينة التى مرت بكثير من التجارب الصحفية والإبداعية، وأصبحت رئيسة لتحرير «حواء» فى عام 1954، وتقدم المرأة المصرية الجديدة، ولها عضويتها فى المجلس الأعلى للصحافة، ورئاسة مجلس إدارة دار الهلال، إضافة إلى رئاسة تحرير «المصور»، كانت عند عهدها بمفاجأة من حولها بآراء جريئة ربما جرت عليها كثير من المشاكل.
لكنها أمينة المختلفة التى لم تكن تنظر لعمرها فى بطاقتها الشخصية لتعرف أن الصحفى يحال إلى المعاش شأن غيره عند الستين، وهى التى تطالب بمراجعة قوانين الأحوال الشخصية، وتطالب بإعادة النظر فى ملكية الصحافة، وتترجم «نساء صغيرات» وحياة الكاتبة شارلوت برونتى وعن أمهات الأدب، وتقدم أعمالا أدبية مثل «الجامحة» و«من وحى الظلام».
كانت حياتها قضايا ومعارك، تخرج من إحداهن لتدخل فى أخري، وتؤكد لمن حولها أنها لم تحصل على مكانتها فى عام أو عامين، وأن راتبها وصل إلى ستمائة جنيه شهريا حين كانت رئيسة مجلس إدارة، وهو أعلى راتب فى الدولة.
وتدور الأيام، فالسيدة التى سعت إليها الانتقادات منذ سنوات الجامعة واستمرت فى مهنتها لتتجاوز الثمانين، يداهمها مرض السرطان. لكن المرض لم يمنعها من الذهاب إلى مكتبها بدار الهلال، حتى ترحل عام 1995، بعد أن سجلت حياة طويلة عريضة بحساب السنوات والمعارك والقضايا والاختلافات، وتترك إرثا صحفيا وتراثا فريدا بما قدمته فى بابها بالمصور، وبتأسيسها لمجلة حواء التى صارت مطبوعة الأسرة التى تعبر عن الحياة فى بر مصر، حتى ولم تستفد منها النساء إلا فى عمل الأكلات والباترونات.
فقد نظرت إليها أمينة على أنها الإبنة الرابعة بعد أبنائها الثلاثة الذين تخرجوا فى كلية الزراعة والهندسة. ستظل حواء تذكرها وستقترن باسم أمينة، وتستمر حكايات من لا تخاف وتسعى للمواجهات، وتدخل باطمئنان فى تراث الصحافة كشخصية تحمل كثيرا من التفسيرات، وإن ظلت الست أمينة الصحفية صاحبة الأحلام والتاريخ.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية