تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > د. نصر محمد عارف > المثقفون والعوام.. من يقود من؟

المثقفون والعوام.. من يقود من؟

نادرا ما كان المثقف العربى جزءا من الحل فى أى مشكلة تواجهها الدول العربية، لان دوره فى الغالب الاعم مرتبط بتوجهات نظام الحكم فى دولته، سواء من باب الوطنية والانتماء، والوفاء بقسم الولاء، أو من باب ايثار السلامة، وعدم تعريض حياته لمزيد من البلاء والابتلاء.

والأكثر ندرة ان يكون المثقف العربى صانعا للمشاكل أو جزءا رئيسيا من المشكلة لنفس الأسباب السابق ذكرها، ويضاف اليها ان الغالبية العظمى من المثقفين العرب كان لديهم الشعور القومى بالانتماء للأمة العربية مركزيا فى تفكيرهم، حتى وان ظهرت أزمات بين الدول العربية، وكثيرة ما هى، كان المثقف العربى يجتهد ان يجعل مصدر الازمات محصورا فى النخب الحاكمة، أو فى الحكومات، أو فى بعض أجهزة هذه الدولة او تلك.

وفى كل الأحوال لم يجرؤ المثقف العربى فى عصر ما قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعى ان يدخل المجتمعات العربية فى الصراع بين الحكومات العربية. كان هذا حال المثقف العربى حين كان نشر مقالة يكتبها، أو ان يخرج صوته عبر المذياع، أو يطل عليهم من شاشة صغيرة امرا معقدا جدا، وصعبا جدا، ومحدودا جدا، بل ونادرا،

لذلك كان المثقف يوزن كلامه بموازين عديدة حتى لا يفقد مكانته، أو يفقد فرصته فى النشر أو الظهور. فى ذلك الزمن كان للكلمة قيمة، وكانت الكلمة مسئولية، وكان الرأى يعادل حياة صاحبه معنويا، وأحيانا ماديا، لذلك كان كل كاتب، او مثقف بمعناه العام يستشعر مسئولية الكلمة، ويدرك قيمتها، وتأثيرها، ويدرك كذلك انها سوف تسجل فى سجله إلى آخر عمره، وقد ترفعه، وقد تهبط به إلى حضيض لا قيام بعده.

اما فى لحظتنا التاريخية هذه التى انتشرت فيها وسائل التواصل الاجتماعى، وأصبحت الكتابة لا تحتاج أقلاما أنيقة، واوراقا مصقولة، بل صار كل من يستطيع القراءة والكتابة فى أدنى الحدود - التى تخرجه من حالة الامية الى بدايات طريق التعلم - يعتبر نفسه مثقفا وكاتبا، وقد يبدى رأيه فى أعقد الأزمات، وأدق المشاكل، وأخطر التحديات، وهو ممسك بموبايل فى يده، وجالس فى أى مكان، يكتب ويعبر ويضغط على زر ازرق او اخضر فينتشر رأيه فى الآفاق، ولا يعرف أحد من هو.

بالأمس القريب كشف مذيع بريطانى اسرار أستاذ صينى تحول الى اسطورة، وأصبح من أكبر الاستراتيجيين الذين يتنبأون بالأحدث، وترجمت المنصات العربية مقاطع الفيديو التى يسجلها، ونشرتها باسم البروفيسور جيانج، وقد اعترف بلسانه انه مجرد مدرس رياضيات فى مدرسة ثانوية.



تحدث هذه الفوضى الثقافية والفكرية ومن ثم السياسية، لأننا نعيش مرحلة تاريخية تمثل تجليا كاملاً لعصر ما بعد الحقيقة post-truth age، تلك الحالة التى يعرفها قاموس أكسفورد بأنها «حالة تكون فيها الحقائق الموضوعية قليلة الأهمية، وأضعف تأثيراً فى تشكيل الرأى العام؛ إذا ما قورنت بالآراء الفردية والعواطف، والمعتقدات الشخصية، ففى هذه المرحلة من سياسات ما بعد الحقيقة؛ من السهل انتقاء بعض المعلومات للوصول إلى النتيجة التى تريدها». وذلك من خلال تحويل الأكاذيب والشائعات إلى حقائق عبر تناقلها من مصدر مكذوب مختلق الى ناقل معتبر بدون نسبة، فتتحول بعد فترة من التناقل الى حقيقة دامغة لا يستطيع أن يشكك فيها أحد اعتمادا إلى شرعية المصدر الثانوى الناقل، وليس المصدر الأصلى غير الموجود.

فى ظل هذه الحالة العامة لعالم ما بعد الحقيقة أصبح المثقف العربى ضائعا بين أصوات كثيرة من العوام، وانصاف المتعلمين، وارباع المثقفين، يحاول ان يجد له مكانا ومكانة فى هذا العالم الهائج المتلاطم الأمواج بين العواطف والغرائز والانتماءات الضيقة، فلم يجد امامه من سبيل الا ان يخلق له جمهورا من المتابعين على شبكات التواصل الاجتماعى، وأصبحت اوزان المثقفين تقاس بعدد المتابعين والمصفقين، ومن يؤشرون على ما يقول بعلامة اعجاب، وأصبح التنافس بين المثقفين يحدده عدد العوام الذين يستحسنون ما يكتب او يقول. ولم يعد المثقف يكترث كثيرا برأى الاقران والزملاء والنقاد من ذوى القيمة، لان سوق الفكر والثقافة أصبحت تحدده الكم، وليس الكيف، وتتحكم فيها الجماهير وليست النخب، ويقرر مصير المتنافسين العوام وليس حكام المباراة من المتخصصين. هنا تحول المثقف الى تابع للعوام فى غالب الأوقات، سواء تبعية سابقة او لاحقة، أى ان يتوقع المواقف الذى يريدونه، والنغم الذى يطربهم فيبادر ويسبقهم اليه، حتى يكون عند حسن ظنهم،

ويكون الخبير الذى لا يشق له غبار فى التنبؤ بالأحداث، والمبادرة باتخاذ الواقف منها، او ان يعرف الى اين يسير التيار، وما هو اتجاه الرياح فيسير معهم، ويعزف على لحنهم، ونادرا ما يتخذ موقفا يجعله يفقد الجماهير التى نصبته مثقفا وخبيرا، وعالما نحريرا.

ان تبعية المثقفين للعوام صارت ملمحا عاما للغالب الاعم من المشاركين فى صناعة المشهد الثقافى العربى، بصورة جعلت المثقفين جزءا اصيلا من أزمات العالم العربى، وأدخلت المجتمعات العربية فى صراعات الحكومات العربية، بل جعلت المجتمعات تدفع الثمن الأكبر فى هذه الصراعات التى سوف يقوم السياسيون بحلها بمكالمة تليفونية، او زيارة، او لقاء على هامش مؤتمر بينما ستظل تعانى منها المجتمعات والافراد لعقود قادمة. وهذا من أخطر الظواهر التى استجدت على العالم العربى وساهمت فى تضخيمها وسائل التواصل الاجتماعى، ولا غالب الا الله.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية