تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
الضلال الاستراتيجى
إن التعريف المتفق عليه لمفهوم الأمن القومى هو التحديد الدقيق لمن هو العدو ومن هو الصديق، وفى إطار ذلك تحديد مراتب العداوة، ودرجات الصداقة، واختلاف مواقع الأعداء ودرجاتهم، وكذلك الأصدقاء حسب مواقفهم، وأفعالهم فى اللحظات الزمنية المختلفة، وفى المواقف السياسية المتغيرة،
فالعدو الأول قد يصبح ثانيا اذا ظهر عدو آخر أكثر خطرا فى لحظة زمنية معينة، والصديق قد يصير عدوا اذا سلك سلوكا يضر بالمصالح العليا للدولة عن عمد، وهكذا يكون مفهوم الامن القومى مرنا ومتجددا طبقا لمدى المساس بوجود الدولة ومصالها الوطنية العليا. هذا التعريف استقر العمل به فى مختلف المدارس الاستراتيجية وعند مختلف الباحثين فى العلوم السياسية.
وبالنظر فى الاحداث التى تلت العدوان الأمريكى - الإسرائيلى المخالف لكل الأعراف والقوانين الدولية على إيران فى 28 فبراير 2026، وما صاحبه من اعمال تضرب بكل الاتفاقيات والأعراف الدولية عرض الحائط، وتدخل العالم فى حالة من الفوضى أقرب الى سلوك عصابات المافيا منها الى الدول، حيث تم اغتيال القيادات السياسية والدينية فى منتصف عملية تفاوض تقودها سلطنة عمان،
كل ذلك العدوان مرفوض ومدان بأشد العبارات.
بالنظر فى تلك الاحداث التى قامت بها ايران يمكن القول ان القيادة الإيرانية قد دخلت فى حالة من الضلال الاستراتيجى الكامل والمركب، ذلك المستوى من الضلال الذى لا يمكن تصور انه يصدر من دولة تمتلك رصيدين من العمق فى الحكمة السياسية والأخلاقية، رصيد يعود الى تقاليد الامة الفارسية التى كانت من أوائل الأمم فى اثراء الفكر السياسى العالمى، وفى تقديم نماذج للحكمة السياسية زخرت بها مؤلفات التراث السياسى الإسلامى، ورصيد من المرجعية الدينية والأخلاقية بحكم ان القيادة الإيرانية ملتزمة بنظام دينى ينتسب إلى أعلى وأعظم ما فى الإسلام من رموز.
على الرغم من هذا الرصيد الفكرى والأخلاقى العظيم الا ان القيادة الإيرانية فقدت كل القيم والمعايير الأخلاقية والقانونية، وتحولت الى حالة من الانتهازية والنفعية التى لم يحلم بأنها ستتحقق فى الواقع فيلسوف النفعية جيرمى بنثام.
لقد تفتق ذهن صانع القرار السياسى فى ايران عن وسيلة انتهازية تفتقد إلى الأخلاق والقانون والحكمة، بل إنها تمثل حالة من الضلال الكامل، الذى يقود إلى الاضرار بإيران وشعبها لعقود قادمة، حيث اتخذت ايران من جيرانها الذين أعلنوا رفضهم للحرب على ايران، وتعهدهم بعدم استخدام أراضيهم او اجوائهم او مياههم الإقليمية للاعتداء عليها، على الرغم من ذلك استخدمت إيران جيرانها ورقة للضغط على المجتمع الدولى لكى يضغط بالتالى على المعتدين عليها: إسرائيل والولايات المتحدة فقامت بتكثيف الغارات بالصواريخ والمسيرات على ابوظبى ودبى، وبدرجة اقل على المنامة ثم الدوحة والكويت، وكانت الهجمات خصوصا فى ابوظبى ودبى على المدن الآمنة حيث تم استهداف الفنادق والبنوك والبورصة والمطارات والموانئ، كل ذلك لان القيادة الإيرانية تعلم ان هاتين المدينتين ابوظبى ودبى ترتبط بهما اقتصاديات معظم دول العالم، وتوجد فيهما جاليات من جميع دول العالم، والهدف الإيرانى هو تحويل دول ذات سيادة ومجتمعات آمنة، واقتصادات مستقرة مزدهرة الى دروع لحمايتها، واوراق ضغط على المجتمع الدولى، فى حالة من الانتهازية التى تجاوزت المعقول فى انتهاك القوانين والأعراف والشرائع السماوية والقيم الأخلاقية الإنسانية التى توجد حتى فى المجتمعات البسيطة.
وقمة الضلال الاستراتيجى فى هذا ان الدول التى استهدفتها إيران، خصوصا دولة الامارات العربية المتحدة كانت هى الرئة التى تتنفس منها ايران منذ قيام الثورة 1979 وفرض العقوبات الدولية عليها وحصارها، فقد كانت الامارات هى نافذة ايران على العالم يمر من خلالها معظم الاحتياجات الأساسية للشعب الإيرانى، والضلال الاستراتيجى هنا ان النخبة الحاكمة فى ايران فى سبيل تحقيق مكاسب سياسية متخيلة، وغير مضمونة مثل ان الضغط الدولى سوف يوقف العدوان الأمريكى - الإسرائيلى عليها، وهو فى ذاته وهم كبير، فى سبيل هذا الوهم خسرت الصديق الذى لم يخذلها أبدا على الرغم من أنها تحتل أجزاء من ارضه.
والصورة الأخرى من الضلال الاستراتيجى وقعت فيها العديد من النخب العربية التى دفعها التفكير الغريزى إلى عدم إدراك موازين الأمن القومى العربى، وانساقت وراء المشاعر والعواطف، وتجاهلت العقل والمنطق والحكمة، فلم تستطع ان ترى الخطر الحالى، وانشغلت بالخطر القديم، وتغافلت عن العدوان الحالى، وتذكرت المعتدى القديم المستمر، فجذبتها الضربات الإيرانية على العدو التاريخى إسرائيل، وتجاهلت العدوان الإيرانى على ثمانى عواصم عربية دفعة واحدة.
هذا الضلال الاستراتيجى الذى وقعت فيه العديد من النخب العربية الثقافية والسياسية قادها الى النظر بعين واحدة مثل الأعور فى لحظة تاريخية غير مسبوقة فى التاريخ العربى الحديث ان تستهدف دولة جارة تنتمى الى دين الأغلبية المسلمة ثمانى عواصم عربية، وجميع المدن التابعة لهذه العواصم، عدوان غير مسبوق فى حجمه ولا فى استهدافه للمدنيين، كذلك كان الضلال الاستراتيجى انه فى مقابل الانتقام من عدو عجز العرب طوال ثمانين عاما عن تحجيمه، تناسوا كم الجرائم التى ارتكبها العدو الجديد ايران، الذى تآمر ودمر المجتمعات والدول العربية فى العراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين، وساهم فى تمزيق مجتمعات العالم الإسلامى من خلال التبشير المذهبى المتطرف، بعملية حسابية بسيطة نستطيع القول ان ما قتلته إيران وأذرعها منذ دعمها للأمريكان فى احتلال العراق 2003 يعادل عدة مرات ما ارتكبته إسرائيل، العدو التاريخى والوجودى للعرب، ان عدوا قديما ينبغى ألا ينسينا عدوا متوحشا جديدا، والا نقع فى الضلال الاستراتيجى.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية