تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > د. نصر محمد عارف > الأمن القومى فى العقل الاستراتيجى المصرى

الأمن القومى فى العقل الاستراتيجى المصرى

فى أول سطر من كتابه «نظرية الأمن القومى العربى والتطور المعاصر للتعامل الدولى فى منطقة الشرق الأوسط» يقول الدكاترة حامد عبدالله ربيع رحمة الله عليه (وهو حصل على ست درجات دكتوراه من جامعات فرنسا وإيطاليا وبريطانيا، وكان يجيد ثمانى لغات)، “لم تعد السياسة الخارجية صنعة الهواة، فلم يعرف الإنسان فى تاريخه الطويل مرحلة بلغت فيها إدارة سفينة التعامل الدولى ما وصلت إليه اليوم من تعقيد.

إن فهم الحقائق التى تحيط بنا- ولو فى إطار محدود- فى حاجة إلى حياة كاملة». ثم يقدم تعريفه للأمن القومى بأنه «عملية تقنين لمجموعة من المبادئ تتضمن قواعد للسلوك القومى، تمثل الحد الأدنى للحماية الذاتية.

بهذا المعنى يتكون مفهوم الأمن القومى من مبادئ مقننة تنبع من طبيعة الأوضاع الاستراتيجية، والخصائص المختلفة المتعلقة بعلاقات التعامل مع الامتداد الإقليمى، وخصائصه من جانب، والعنصر البشرى وسلوكياته من جانب آخر، والدول المحيطة ووزنها من جانب أخير.

جميع هذه المتغيرات تتداخل فى تشكيل الوعاء المادى للإرادة القومية. هذه المبادئ المقننة تصير المصدر المباشر لبناء نظام متماسك ومتصاعد للقيم القومية» انتهى كلام أستاذنا…

وأصبح من الضرورى إثارة السؤال: كيف نحدد الأمن القومي؟، وماموازين المخاطر ومراتب الاعداء؟، وهل تتغير مراتب الأعداء طبقا للظروف الدولية فى كل مرحلة؟ وهل الأمن القومى مفهوم ثابت أم يتغير مع تغير محدداته الإقليمية له كلها أو بعضها؟ وماذا لو تعارضت المبادئ مع المصالح؟

 

وهنا ينبغى التوضيح أن التركيز على المبادئ فى مفهوم الأمن القومى لا يعنى تجاهل المصالح، لأنه يتضمن منظومة خاصة من المصالح طويلة الأمد، أو المصالح الوجودية، التى يتعلق بها مصير الدولة والمجتمع، وليست مصالح بالمعنى السياسى أو الاقتصادى، لذلك عندما نقول إن الأمن القومى مبادئ فإن ذلك يتضمن المصالح العليا الدائمة المستقرة، ولكنه لا يتضمن المصالح السياسية أو الاقتصادية الوقتية، ولكنه لا يتعارض بالضرورة معها، أو ينفيها، بل يحافظ عليها على المدى البعيد حتى وإن ضحى ببعضها فى المدى القريب أو المتوسط.

وقد حدد حامد ربيع ثلاثة محددات للأمن القومي:

أولها، الموقع الاستراتيجى والامتداد الإقليمى، وطبيعة العلاقات مع قوى الإقليم ومكوناته.

وثانيها، طبيعة النخب الحاكمة فى الدول المحيطة وسلوكياتها السياسية.

وثالثها، قوة الدول المحيطة وأوزانها النسبية.

هذه العناصر الثلاثة تتفاعل مجتمعة لتحديد الإدراك الذى يشكل مفهوم الأمن القومى، لذلك فجوهر هذا المفهوم يقوم على معطيات ثابتة تشكلها فى الأغلب عناصر خارج إطار سيطرة وتحكم القيادة السياسية؛ لذلك نجد أن إدراك القيادات السياسية المتتالية للأمن القومى لمصر ثابت لم يتغير منذ عصر الفراعنة الذين كانوا يحرصون ألا تظهر قوة معادية لهم من بلاد بُنت (الصومال) إلى أطراف مملكة الحيثيين (الفرس والأكراد)،

فموقع مصر يلزم من يحكمها بأن أمنها القومى يمتد من الصومال والبحيرات العظمى جنوبا إلى جبال طوروس شمالاً، ومن جزيرة العرب شرقا إلى حدود تونس غربا.ولا يستطيع من يحكم مصر أن يترك أمن البحر الأحمر وباب المندب للظروف، وللاحتمالات، ولا يستطيع أن يترك أمن وادى النيل، ولا أمن جزيرة العرب ومنطقة الشام كذلك، ومن يفعل ذلك يعرض مصر للخطر، بغض النظر عن علاقات الود والصداقة والأخوة مع من يقترب من هذه المناطق، سواء أكان اسمه الحيثيون أو الحوثيون، الهكسوس أم إسرائيل، فى كل تلك الأحوال لابد ألا يكون هناك مجال للمغامرة، والحسابات السياسية أو الاقتصادية، لأنه إذا ضاع الوطن والوجود الإنسانى والذات الحضارية لن يكون هناك اقتصاد ولا سياسة.

وهنا لابد من إدراك أن موازين الخطر، ومراتب الأعداء تتحدد طبقا لمعيارين أساسيين يختلفان من وقت لآخر، ومن ثم تصعد وتهبط مراتب الأعداء، ويتحدد من هو الخطير ومن هو الأخطر طبقا لهذين المعيارين:

أولا: طبيعة المخاطر القادمة من المحيط الإقليمى، من حيث تعلقها بوجود الكيان الوطنى، سواء الأرض أوالبشر أومصادر الحياة. أم أنه خطر يهدد مصالح اقتصادية، أو يتعارض مع مواقف سياسية، أو يمثل إزعاجا أمنيا. كل نوع من هذه المخاطر له مرتبة ودرجة، ومن ثم يكون الخطر الذى يتعلق بالأرض، او بالشعب او بمصادر الحياة وعلى رأسها المياه هو الأعلى فى سلم أولويات الأمن القومى، وتكون المخاطر الأخرى مازالت تعتبر مهددات للأمن القومى، ولكنها فى درجات أدنى من هذه. وهذا يفسر موقف مصر من حماس وإسرائيل على سبيل المثال. ومن السودان قبل 2019 وإثيوبيا. وكذلك من الحوثيين وإسرائيل إبان الحرب على غزة.

ثانيا: البعد الزمنى للمخاطر المحيطة، هل هى مخاطر آنية وحالة فى هذه اللحظة التاريخية، أم أنها مخاطر مؤجلة على المديين المتوسط والبعيد، وهنا تكون الأولوية للمخاطر الوقتية الحالة، ويتم وضعها فى قمة مراتب الأمن القومى، أما المخاطر المتوقع تحققها فى زمن قادم فتأخذ موقعا بعدها دون أن تفقد صفتها فى أنها مهددات.

وهنا يمكن فهم متى وفى أى توقيت رسمت القيادة المصرية الخط الأحمر فى ليبيا، وفى السودان، وفى الصومال. التوقيت مهم فهمه فى ضوء هذه المعايير، لأن الموقف المصرى اتخذ بعد زمن من ظهور الأزمات السابقة، ولكن المقياس الزمنى لكل منها تغير عندما دخلت مرحلة الخطر الحال، الذى ينبغى مواجهته الآن وليس غدا.

من يفهم هذه المنظومة يستطيع بسهولة فهم ما يحدث حولنا فى الإقليم، ويستطيع كذلك إدراك أهمية ومركزية الزمن فى القرارات السياسية المتعلقة بحماية الأمن القومى المصرى.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية