تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > د. نصر محمد عارف > احذروا الغرب فى صعوده وهبوطه!

احذروا الغرب فى صعوده وهبوطه!

منذ ان سافر رفاعة الطهطاوى المتوفى سنة 1873م إلى باريس سنة 1826م، ورجع مبهورا بالحضارة الغربية، خصوصا بالظاهر منها، وسعى لنشرها فى ربوع الشرق العربى من خلال كتابه «تخليص الابريز فى تلخيص باريز»، وبعده سافر خير الدين التونسى المتوفى سنة 1890م مبعوثا من حاكم تونس الى باريس أيضا فى سنة 1853م، وفعل مثلما فعل الطهطاوى ورجع بكتاب «أقوم المسالك فى معرفة أحوال الممالك» خصص كل فصل من فصوله العشرين لدولة من الدول الأوروبية،

وعلى الرغم من ان كتاب التونسى كان اكثر ميلا للجوانب الإدارية والسياسية من كتاب الطهطاوى الذى ركز على وصف الحياة الاجتماعية، إلا أن كلا الكتابين قدما الحضارة الغربية فى صورة دعائية تدعو للانبهار، وترسخ مفاهيم التفوق الغربى، وتنتج عقليات تتعامل مع الغرب من موقع المقلد التابع، بعد ان كان الغرب فى العقل الجمعى العربى عدوا لم تزل آثار الحروب الصليبية التى شنها على العرب عالقة فى العقول والقلوب.

منذ ذلك الحين والنخب الثقافية العربية تنظر للغرب من مواقع متفاوتة فى درجات التبعية والضعف. تضع الحضارة الغربية فى مكانة إنسانية راقية، وتنظر اليها بوصفها نموذجا للاقتداء والتقليد.

والحقيقة التى لم تعد تقبل الجدل، والتى أقر بها الباحثون والمفكرون الذين يحرصون على الالتزام بقيم الموضوعية والعدالة فى الحكم تقول إن الحضارة الغربية منذ الرومان إلى اليوم تأسست على حساب شعوب وحضارات العالم، فقد بنيت المدن الغربية، وتراكمت ثروات الدول والإمبراطوريات الأوروبية على حساب شعوب القارات الثلاث آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، بل إن العلوم التى قامت عليها الحضارة الغربية نقلت عن العلوم التى طورها العرب بعد أن اقتبسوها من الفرس والهنود واليونان وقد اكتشف الأوروبيون أخيرا أن ما عرف بالمخترعات التى نسبت للأوروبيين كانت منقولة عن الحضارة العربية.

وقد أثبت ذلك المشروع الضخم الذى قاده الدكتور سليم الحسن والذى يحمل عنوان «ألف اختراع واختراع» والذى أعاد تصنيع المخترعات التى ظهرت فى الحضارة العربية الإسلامية طبقا لمواصفاتها التاريخية، ووضعها فى متحف العلوم البريطانى، وعرضها فى كثير من متاحف العالم، وكرر نفس الأمر الدكتور فؤاد سزكين رحمه الله فى ألمانيا.

الحضارة الغربية هى خلاصة ما وصل إليه العقل البشرى من الصين إلى الهند إلى الفرس إلى اليونان منقولا إليهم عبر المفكرين والعلماء العرب، ولكن للأسف نسبوا كل ذلك لأنفسهم، فهى فى جوهرها حضارة تقوم على السرقة والنهب والاستغلال والاستعلاء على الآخرين.

 

ومن الغريب أن ذلك العقل الغربى استطاع أن يخدع شعوب العالم الثالث بأنه اكتشفهم، فما سمى بالكشوف الجغرافية كانت اكتشافا لجهل العقل الغربى بالعالم، فعندما خرجوا من أوروبا فى بداية القرن السادس عشر، وبعد سقوط الأندلس، وجدوا شعوبا وحضارات فأطلقوا على ذلك الكشوف الجغرافية.

وكان من اكتشفوه أقدم حضارة منهم، وأكثر تقدما. سواء حضارات المايا والأنكا والازتيك فى أمريكا الوسطى والجنوبية، او إمبراطورية مالى فى غرب افريقيا، او حضارات الهند وشرق آسيا.

كل تلك الحضارات اعتبرها الأوروبيون شعوبا بدائية يجب استعمارها من أجل نقلها لمرحلة الحضارة، وأطلق على هذه المهمة «عبء الرجل الأبيض».

هذه الحضارة التى قامت على السرقة والنهب تمثل خطرا كبيرا على شعوب العالم الثالث فى صعودها وفى هبوطها، فعندما كانت تصعد كانت تنهب وتسرق وتستنزف موارد شعوب أخرى لبناء قدراته الذاتية، ولتحقيق تراكم الثروات فيها، ولتأسيس المصانع والمدن وإطلاق الابتكارات، وتأسيس الجامعات، ففى صعودها قامت على النهب والسرقة والاستغلال فيما سمى بالاستعمار وقبله بالكشوف الجغرافية، وكلاهما خدع لفظية لعملية سرقة عالمية كبرى تقتل المسروق، وتتهمه بالتخلف والبدائية، وتمدح السارق وتضعه فى موقف الدور التحضيرى، وأنه يحمل رسالة تحضيرية للشعوب البدائية لتبرير أفعالها، و إضفاء صفة أخلاقية على سلوكها غير الأخلاقي.

والآن ...

وهذه الحضارة فى مرحلة تراجع كبير أمام صعود قوى فيما كان يعرف بالعالم الثالث مثل الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا وغيرها، بالإضافة إلى الصعود الروسى الذى كان منتميا فى بعض أجزائه للحضارة الغربية، وخارجا عنها فى بعضها الآخر، لأن روسيا لم تكن فى يوم من الأيام دولة استعمارية فى العالم الثالث بالمعنى الذى تحقق فى الإمبراطوريات التى مارست كل أنواع النهب والسرقة، فلم تقع روسيا فى هذا الفعل مع شعوب العالم الثالث،

الآن روسيا تنضم إلى الدول التى تنافس الحضارة الغربية، وحين تشعر القوى المسيطرة على الحضارة الغربية بالتهديد، وأن تلك الحضارة تمر بمرحلة تراجع أو هبوط تنطلق فيها كل قوى الشر والنهب والتدمير والتخريب والاستيلاء على خيرات الشعوب الأخرى.

مع ذلك التراجع الذى يمثل مرحلة هبوط فى هذه الحضارة ما نشاهده من سياسات فى أمريكا الآن، حيث تتجلى الرغبة الجامحة فى الاستيلاء على الموارد الأولية والمعادن النادرة والنفط والغاز فى كل مناطق الأرض، بدرجة من الشراهة تذكر بتلك المرحلة الاستعمارية الأولى ولكنها تحت مظلة أخرى وعنوان آخر.

خلاصة الأمر..

 أن الحضارة الغربية ممثلة الآن فى الولايات المتحدة الأمريكية تمثل نفس الخطر الذى مثلته الحضارة الغربية ممثلة فى الإمبراطوريات الإسبانية والبرتغالية والهولندية والبريطانية عند صعودها، ذلك الخطر الذى يستهدف شعوب العالم الثالث باستنزاف خيراتها وسرقة مواردها، وتدمير ما تملكه من مقدرات للحفاظ على تميز الحضارة الغربية وعلى قيادتها للعالم، وعدم السماح لاى قوى أخرى من الممكن تزيح قيادة الحضارة الغربية من موقع قيادة العالم.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية