تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

أم وخمسة من أبنائها فارقوا الحياة، فى حادثة لامنطقية، داخل شقتهم فى كرموز بالاسكندرية، نجا الابن الأكبر بعد محاولة انتحار بإلقاء نفسه من طابق مرتفع.

تشير ـ التحقيقات الأولية ـ إلى أن ما جرى لم يكن اقتحامًا أواعتداءً من الخارج، بل مأساة دارت بالكامل داخل الأسرة.

روايات التحقيق تحدثت عن قيام الأم بإنهاء حياة أطفالها باستخدام أدوات حادة، بحجة ظروف معيشية شديدة القسوة وضغوط أسرية متراكمة، ثم طلبت من الابن الأكبر مساعدتها فى إنهاء حياتها، بعدها حاول هو بدوره التخلص من حياته.

القضية لا تزال قيد التحقيق، لكن المؤكد أن ما حدث لم يكن لحظة طارئة، بل نتيجة تراكم طويل من الأزمات.

الواقعة ليست جريمة فردية، بل مرآة لخلل أوسع، وفق بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، تتجاوز حالات الطلاق فى مصر 250 ألف حالة سنويًا، وهو رقم يكشف مشكلة أسرية.

كما أن «كبير المنطقة» فى الأحياء الشعبية ذلك الشخص الذى يحتكم إليه الناس بحكم احترامهم لسيرته، ويتدخل لحل النزاعات، ويمتص الغضب قبل أن يتحول إلى كارثة، هذا اختفى إلى حد كبير، ليس فقط من الواقع، بل حتى من الدراما التى كانت تعيد إنتاجه وتثبيته فى الوعي، ومع غياب القدوة، يفقد المجتمع إحدى أهم أدوات احتواء الأزمات قبل انفجارها.

حتى الدراما، إحدى أهم أدوات تشكيل الوعى، لم تعد دائمًا تقدم نماذج متوازنة للعلاقات الأسرية،  إلا دراما المتحدة تحاول تقديم نماذج إيجابية بينما الأخرون يركزون على الصراعات الحادة والعنف دون تقديم نماذج للحلول أو شخصيات إيجابية، يخلق صورة ذهنية مختلة عن الواقع، خاصة لدى الأجيال الأصغر التى تبحث عن نماذج تحتذى بها.

ويظل للمؤسسات الدينية دور لا يمكن تجاهله، فالمسجد والكنيسة قادران ـ إذا تم تفعيل دورهما التوعوى بشكل حقيقى  على أن يكونا خط دفاع أول ضد الانهيار، من خلال خطاب دينى قريب من الناس، يعالج ضغوط الحياة اليومية، ويعيد التأكيد على حرمة النفس وقيمة الصبر والتكافل، خصوصًا فى البيئات الأكثر هشاشة.

لا يمكن إغفال الحاجة الملحّة إلى مراجعة شاملة لنظام الدعم الموجّه للأسر الأولى بالرعاية، فبرغم الجهود الكبيرة التى تبذلها الدولة فى هذا الملف، إن ضمان وصول الدعم لمستحقيه بدقة وعدالة لا يقتصر فقط على تحقيق العدالة الاجتماعية، بل خط دفاع أساسيًا ضد الانهيار الأسرى.

فأسرة تجد حدًا أدنى من الأمان الاقتصادى، تكون أكثر قدرة على الصمود فى مواجهة الضغوط، وأقل عرضة للانفجار تحت وطأة الحاجة والعجز.

ما حدث فى كرموز ليس مجرد مأساة، بل إنذار واضح، إن المجتمع الذى تتآكل داخله روابطه الإنسانية، وتغيب عنه القدوة، وتضعف فيه أدوات الاحتواء، يصبح أكثر عرضة لمثل هذه الكوارث.

إعادة بناء الإنسان ـ ثقافةً ووعيًا ودعمًاـ لم تعد ترفًا، بل ضرورة ملحة، الأوطان لا تُحمى فقط بالقوانين، بل بروابط الرحمة التى تمنع سقوط الإنسان قبل أن يسقط كل شىء.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية