تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
حكاية طريقتنا المثلى
ولما كانت الليلة الثامنة بعد الألف قالت شهرزاد: بلغنى أيها الملك السعيد ذو الرأى الرشيد، أنه يحلو أحيانا للبعض أن ينتقد ثقافتنا وطريقة حياتنا، وأنها تحتفى بالكسل وتتبناه، وأنه لا بد لنا من تغيير ذلك لننهض مثل بقية العالم المتقدم. هنا قاطعها الملك وقال لها: وضحى لنا ماذا تقصدين بالثقافة وطريقة الحياة، حتى لا يلتبس الأمر على البعض. ردت شهرزاد: الثقافة ليست مجرد قراءة وكتابة كما يظن البعض، ولكنها كل ما يخص طريقة الحياة وما تنتجه تلك الطريقة من معارف خاصة، وما تكسبه من خواص. والثقافة تراكمية يا مولاى، بمعنى أنها لا تقتصر على إنتاج الجيل الحالى، ومن هنا فإن ثقافة مصر لا مثيل لها فى العالم القديم والجديد. وعندما نتحدث عن الثقافة المصرية، فنحن نتحدث عن بنية حضارية ممتدة لألاف السنين، تراكمت فيها طبقات متعددة من القيم واللغة والفنون والعلوم والدين والروحانيات، مما يجعل مصر واحدة من أعظم وأقدم مراكز التأثير الثقافى والحضارى فى العالم. يذكر التاريخ أن وقوف مصر ضد التتار وهزيمتهم بعد تدميرهم بغداد والشام، كان سببا فى استدامة المعارف والثقافة العالمية، وأنه دون مصر لانقطعت هذه الاستدامة. هذه الاستدامة الاستثنائية هى ما يجعل مصر عبر الزمن قوة ناعمة كبرى، قادرة على التأثير فى محيطها العربى والأفريقى والمتوسطى، وفى العالم كله. الثقافة المصرية تتكون من عدة مكونات متداخلة تشمل المكون الفرعونى القديم والمكون اليونانى والمكون المسيحى والمكون الإسلامى والمكون الحديث، وأن هذه المكونات متجانسة ومترابطة بروابط أساسية يستحيل فصمها، وأنها تعايشت وانصهرت فى بوتقته لتشكل هوية فريدة. فى القرن التاسع عشر والعشرين دخلت مصر عصر النهضة الحديثة، وعرفت الصحافة والمسرح والسينما وكل ما يرتبط بالفن والموسيقى والأدب، ومن هنا بدأت مصر تتحول الى مركز ثقافى عربى عالمى، متوازن بين القديم والجديد، يجمع بين التدين والتسامح، والحداثة والتقاليد، والمحلية والعالمية، مما منحها قابلية الانتشار والتأثير. إضافة الى ذلك، تنفرد الثقافة المصرية بخواص معروفة للعالم كله: مثل الكرم وحسن الضيافة والتسامح والعلاقات الاجتماعية القوية. هنا قال الملك: أحسنت الإجابة يا شهرزاد، وأرجو منك الآن أن تثبتى لنا صحة ما قلت بأمثلة حية. عندها قالت شهرزاد: نعم لأنه دون براهين واستبيانات يصبح الكلام جدلا وافتراضات. ما قلته من وصف وتعريف يجعل من مصر محطة فاصلة فى حياة كثير من الزائرين القادمين من الشرق والغرب، بحثا عن سحر معارفها ولغتها وتاريخها، وأنهم عادوا لبلادهم بعدها وقد تغيرت رؤيتهم للحياة، نتيجة التقائهم ببسطاء فيها، أحدثوا فيهم تحولا عميقا. أسوق قصتين ملهمتين تبيانا لما قلت: قصة البريطانى عبدالحكيم مراد واليابانى داوكى ياما موتو، وغيرهما من الأرواح القلقة التى وجدت فى مصر علاجا ودواءً لقلقها. كانت رحلة عبدالحكيم مراد من كامبردج الى الأزهر. ولد فى بريطانيا عام 1960، وسماه والداه تيموثى وينتر، حيث نشأ فى بيئة تقليدية بريطانية، فدرس فى جامعة كامبردج، وكان مهتما بالأديان المقارنة والفلسفة، ولم يكن يبحث عن الإسلام تحديدا، بل عن معنى أعمق للحياة الروحية. مع مطلع الثمانينيات من القرن العشرين قرر السفر الى الشرق الأوسط لدراسة اللغة العربية، وكانت القاهرة محطته الأهم. التحق بالأزهر طالبا للعلم، لا باحثا عن اعتناق دين. كتب عن تجربته فى القاهرة، أن ما صدمه ليس الفقر ولا الازدحام، ولكن حضور الدين فى الحياة اليومية. وجد الأذان يدوى فى المدينة خمس مرات يوميا، وأن الناس يتحدثون عن الله ببساطة وعفوية، والضيافة تقدم كواجب أخلاقى، لا مجاملة اجتماعية. فى الأزهر درس واكتشف أن الإسلام ليس صورة جامدة، كما كان يصور الإعلام الغربى، بل حضارة فكرية عميقة، وأن هذا التوازن بين العقل والروح هو الذى منحه القوة الدافعة لاعتناق الإسلام، وأنه وجد فى البساطة الأخلاقية للمصريين الحافز الكبير لأخذ تلك الخطوة الكبيرة فى حياته. عاد لبلده باسمه الجديد الذى يعرف به، وأصبح الخطيب فى مسجد كامبردج، وأصبح من أبرز المفكرين المسلمين وعلما من أعلام تلك المدينة الفريدة. هو دائم الذكر والامتنان للقاهرة فى أحاديثه، وأنها كانت المرحلة المهمة فى حياته، ليس لأنها أقنعته بالإسلام فقط، بل لأنها عرفته على الإسلام كحياة. أما الرحلة الثانية، فقد كانت رحلة داوكى ياما موتو من اليابان الى روح القاهرة. كان مهتما باللغات والثقافات، فقرر دراسة العربية بالقاهرة. جاء الى القاهرة واستأجر شقة بسيطة فى حى شعبي. يقول إنه لاحظ أن الغرباء يدعونه الى بيوتهم، وأن العلاقات الاجتماعية أقوى بكثير مما تعود عليه فى اليابان، وأن هذا الجانب الإنسانى شكل بداية فهمه للمجتمع المصري. بعدها بدأ يزور المساجد ويتعرف على المصريين الذين كانوا يرحبون به بحرارة بالغة. يقول: إن الصلاة ليست طقسا ثقيلا، بل لحظات سكينة جماعية، وأن الناس يصلون جماعة مما يبعث الطمأنينة ويعطى شعورا بالانتماء. يقول إن مصر لم تقنعه بالحجج فقط، بل جعلته يشعر بالإيمان. يحكى فى فيديو حديث منذ شهور أن نقطة التحول فى حياته حدثت فى أثناء شهر رمضان، حيث كان صائما من باب المشاركة مع المصريين، ونسى تجهيز إفطار لنفسه، فتحدث مع البواب عن كيفية حصوله على طعام للإفطار. عندها قال له البواب لدى خيارة كنت أنوى الإفطار بها فخذها وسأجد لنفسى وسيلة لأفطر. يقول عن ذلك إنه أعتنق الإسلام بسبب خيارة، وأن هذه تمثل تطابق القول مع الفعل.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية