تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
أقباط مصر
يمثل الأقباط المصريون أكبر تجمع مسيحى فى دولة عربية، فضلاً عن أنهم يشكلون مركز ثقلٍ للمسيحية فى الشرق الأوسط حاليًا رغم إدراكنا تعدد المذاهب واختلاف الكنائس، ولكن يبقى فى النهاية أنهم رصيد الكنيسة الأم امتدادًا لعصر الشهداء وتأكيدًا لهوية مصر المتألقة عبر العصور، إلى جانب دورهم كجزء من الكيان المصرى الذى تعايش مع الثقافات المختلفة والحضارات المتعاقبة لتصبح الكنانة فى النهاية هى مركز ثقل عربى وإفريقى وإسلامى ومسيحى، وإذا كان الأقباط هم نموذجا للمسيحية الأولى والتمسك بالثوابت رغم الطبيعة المتغيرة للأزمان والأحقاب، فقد حافظ الأقباط على تراثهم المصرى، ومن أمثلة الثبات الذى تعاملوا به مع القوى الأخرى داخليًا وخارجيًا هو إيمانهم العميق، بأنهم ليسوا أقلية إلا بالمعنى العددى، فهم جزء لا يتجزأ من سبيكة الوطن المصرى المتفردة عن غيرها، ولذلك كانت الكنيسة الأرثوذكسية المصرية عصية على التغيير الخارجى، ونتذكر الآن مارد به البابا المستنير بطرس الجاولى عندما عرض عليه مبعوث قيصر روسيا اعتبار الأقباط المصريين تحت الحماية الروسية، حينها رد البابا الجاولى بعبارته الشهيرة (هل القيصر الذى تريدوننا تحت حمايته يموت يومًا ما؟) فقالوا له نعم، فقال (إننا إذًا فى حماية الرب فهو الحى الذى لا يموت) وهكذا كان الأقباط دائمًا فى مصر كارهين لحماية الأجنبى ولا يستسلمون للتدخل الخارجى، بل إن قصة الجنرال يعقوب هى تأكيد حقيقى لذلك أيضًا، فقد عاش الرجل منبوذًا، وعاد مع ضباط الحملة الفرنسية بالبحر، وتوفى أثناء الرحلة، ولم يتبعه أبدًا فى دعواه عدد يذكر من الأقباط الذين تغلبت لديهم دائمًا وطنيتهم ومصريتهم على كل ماعداها، ولذلك كانت العبارة الشهيرة للمعتمد البريطانى جورست مخاطبًا الخارجية البريطانية أثناء عمله فى مصر أنه لم ير فى ذلك البلد مسلمين وأقباطًا، بل رأى مصريين يذهبون إلى المساجد يوم الجمعة ومصريين يترددون على الكنائس يوم الأحد، والكل سواء فى ارتباطهم بالوطن، ولقد لعبت الارستقراطية القبطية دورًا مشهودًا فى مصر العليا وعرفت الحركة الوطنية المصرية أسماء قبطية بارزة فى عائلات عبيد وغالى وعبدالنور وأمثالهم من أبناء الصعيد، ولعبوا دورًا مشهودًا فى سياق أحداث ثورة 1919 وما بعدها حتى باتت محاولات تقسيم الشارع المصرى دينيًا أمرًا غير قابل للتحقيق فى ظل صلابة الوحدة الوطنية ووعى الأقباط بتفاصيل المشهد فى كل مرحلة وإيمانهم أن منطق المواطنة هو الذى يجب أن يسود فى النهاية، ومازلنا نتذكر حتى الآن العديد من الشهداء من أقباط مصر فى حروبها ضد العدوان الإسرائيلى وانضمامهم دائمًا لصفوف التضحية الوطنية داخل القوات المسلحة وخارجها، كما أن أعمالهم الباسلة تبقى مشهودة للجميع، ولعلنا نتذكر حتى الآن فكرة الضابط المصرى القبطى اللواء المهندس باقى زكى يوسف، ذلك الضابط الواعى الذى اقترح أسلوب خراطيم المياه لتحطيم حائط بارليف الذى توهم اليهود استحالة تدميره، إنه ذلك الاسم الذى يطالعنى يوميًا عند مدخل المحور الذى يحمل اسمه فى القاهرة الجديدة إعزازًا له وتقديرًا لدوره، ولقد اقتربت شخصيًا من البابا الراحل شنودة الثالث والبابا الحالى تواضروس الثانى، وأيقنت دائمًا أن البناء الوطنى ازداد خبرة ووعيًا وتماسكًا بوجودهم، ولقد كانت سعادتى غامرة، وأنا أتدخل لمساعدة شقيق قبطى أتذكر أن اسمه أيمن كامل - إن لم تخنى الذاكرة - طالبًا منى التدخل لمد خدمته بعد المعاش لدى إحدى شركات القطاع الخاص بسبب ظروفه الصعبة، وذكرنى ذلك الرجل أن قداسة البابا شنودة الثالث أوصانى به خيرًا قبل رحيله، لأن ذلك المصرى القبطى الوطنى كان هو الذى سحب قرعة اسم البابا شنودة عند تنصيبه. وظل ذلك المواطن المصرى يتصل بى من حينٍ لآخر حفاظًا على المودة والمحبة بين أبناء الوطن الواحد الذين تجرى فى عروقهم الدماء المصرية المشتركة عبر تاريخنا الطويل، إن الذى يفهم الإسلام الصحيح يجب أن يرعى أهل الكتاب ويدرك تمامًا أننا نعبد إلها واحدًا مهما اختلفت المذاهب والطوائف، وأننا جميعًا فى بوتقة واحدة بل وفى قارب واحد، إما أن يطفو بنا أو يغرق بالجميع، وعندما رأيت صورة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب يقدم التهنئة بالكاتدرائية لبابا الكنيسة المصرية أدركت أن تقاليدنا سوف تستقر، وأن مبادئنا ثابتة كما أن ولى الأمر يحرص على حضور قداس عيد الميلاد مع أشقائه وأبنائه الأقباط تأكيدًا للمعنى الرائع الذى عرفته مصر ولن تفقده أبدًا.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية