تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > د. محمد يونس > مواجهة الإمبريالية الرقمية الجديدة «1»

مواجهة الإمبريالية الرقمية الجديدة «1»

كنا نتصور أن ما توصل إليه المفكر البريطاني ديفيد هارفي- الذي احتفل بعيد ميلاده التسعين يوم 31 أكتوبر الماضي- في كتابه «الإمبريالية الجديدة» هو نهاية التطور للحقبة الاستعمارية، فقد طرح تفسيرا لنمط الهيمنة الرأسمالية موضحا أن الإمبريالية المعاصرة لا تقوم فقط على الغزو العسكري ، وإنما تعتمد على آليات اقتصادية – مالية، حيث يجري نقل الثروة والموارد من الأطراف إلى المراكز الرأسمالية تحت غطاء السوق الحرة، والخصخصة، وسياسات المؤسسات المالية العالمية،

ويشمل ذلك الاستيلاء على النفط والموارد الطبيعية، وفرض سياسات الديون على دول الجنوب.

ولكن فوجئنا بأن ما يجري فاق تصورات «هارفي» بل تجاوز خيال أي مفكر في الاجتماع السياسي، حيث شهد العالم تطورين للهيمنة الإمبريالية الجديدة في اتجاهين مختلفين!:

الأول مادي، يعيد نمط الاستعمار بشكله القديم، وظهر في تصريحات مباشرة بالرغبة في السيطرة الأمريكية على أراضى بدول أخرى مثل غزة الفلسطينية، وجرينلاند الدانمركية.

والثاني رقمي بدأ خلال السنوات الأخيرة وهو توجه خفي يتطلب التوعية به والتصدي له حيث نشهد تحولاً جوهرياً في أدوات السيطرة على المستوى العالمي. فقد انتقل محور القوة من السيطرة على الجغرافيا والمواد الخام، إلى السيطرة على الفضاء السيبراني والبيانات والعقل البشري. أو ما يمكن تسميته بـ«الإمبريالية الرقمية الجديدة».

كان الاستعمار التقليدي يستهدف الأرض وثرواتها، أما الآلية الجديدة فتعتمد على استخلاص «القيمة» من حياتنا الرقمية. حيث يتم تحويل تفاعلنا اليومي مع المنصات الإلكترونية - التي تجمع بياناتنا واهتماماتنا - إلى سلعة ثمينة في سوق الاقتصاد الرقمي، توفر ثروات هائلة للشركات التكنولوجية العملاقة، بعد أن أصبحت البيانات هي «النفط الجديد». وإذا كان النفط التقليدي يقع في أراضٍ ذات سيادة، فإن بياناتنا تتدفق عبر خوادم إلى قارات أخرى، تحكمها قوانين وسياسات قد لا تحمي مصالحنا.

هنا تبرز إشكالية «التبعية الرقمية» وتتمثل في اعتماد مجتمعاتنا على منصات وبنى تحتية رقمية تتحكم بها جهات أجنبية. وهذا يهدد سيادتنا الثقافية (من خلال هندسة المحتوى) والسياسية (عبر التأثير في الرأي العام) وحتى الأمنية، فما كشفت عنه منصة «اكس» أخيرا، من وجود حسابات آلية تشعل الفتن بين بعض الدول العربية، ليس إلا حافة جبل الجليد في هذا المجال!.

في العصر الإمبريالي القديم، كان الإعلام وسيلة للتبشير بقيم المستعمر، أما اليوم فيتولى الذكاء الاصطناعي هذه المهمة بدقة عبر:

أولا: غرف الصدى (Echo Chambers): حيث تسجنك الخوارزمية في إطار ما تحب أن تسمعه فقط، مما يلغي التفكير النقدي.
وثانيا: الإقصاء الرقمي (De-platforming):القدرة على محو وجود أي صوت معارض..شركات التكنولوجيا العملاقة المالكة لفيسبوك و»إكس» و«أمازون» وغيرها لم تعد مجرد منصات رقمية، بل تحولت إلى إمبراطوريات عالمية، تفرض هيمنتها بأساليب جديدة أكثر خطورة، رصدتها في كتابي الذي سيصدر قريبا عن دار المفكر العربي بعنوان «السلطة السادسة وتحديات العصر الرقمي» ومن أبرز هذه الأساليب:

- السيطرة الاقتصادية: هذه الشركات تمتلك قوة مالية توازي قوة بعض الدول الكبرى، مثلاً، قيمة «أمازون» بالسوق تتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لأستراليا وإسبانيا مجتمعتين. بفضل هذه القوة، تستطيع القضاء على المنافسين المحليين في أسواق جديدة. والتحكم بأسعار المنتجات والخدمات حول العالم.

والسيطرة على البنية التحتية الرقمية: وتملك «أمازون» البنية التحتية السحابية التي تعتمد عليها الكثير من الخدمات الحيوية، كالمواقع الحكومية، والمنصات التعليمية، مما يمنحها نفوذًا قويًا على اقتصاديات الدول.

- الهيمنة الثقافية: من خلال فرض قيم وهوية جديدة، فمثلا «ميتا» و«إكس» تحولتا الى أدوات لتشكيل أفكار الناس حول العالم، حيث تتحكم من خلال الخوارزميات في: الأخبار والمعلومات التي نراها أو لا نراها، والثقافات التي تنتشر، وأساليب الحياة التي يتبعها الناس. وتفرض قيما ثقافية تعكس وجهة نظر الغرب فقط.

-التأثير السياسي: هذه الشركات تلعب دورا كبيرا في السياسة العالمية. ففي الانتخابات الأمريكية والأوروبية، هناك دلائل على أنها توجه الرأي العام، فما بالنا بما يمكن أن يحدث في الدول النامية؟!

-الاستحواذ على البيانات «كنز العصر»: الشركات الكبرى مثل «أمازون» و«ميتا» تجمع كميات هائلة من معلومات المستخدمين الشخصية، عبر ملاحقة تصرفاتهم في الشراء والبحث، ومراقبة تفاعلاتهم الاجتماعية، وتحليل مشاعرهم وأفكارهم.. فهل من سبيل للمقاومة.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية