تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > د. محمد فايز فرحات > هل انتهت وظيفة القانون الدولى والمنظومة الأممية؟

هل انتهت وظيفة القانون الدولى والمنظومة الأممية؟

الالتزام الكامل من جانب الجماعة الدولية بالقانون الدولى والمنظومة الأممية ظلت مسألة نظرية فى كل حقب النظام الدولى، وذلك منذ أن عرف العالم صناعة قواعد مستقرة من القانون الدولى، ومنذ أن تطور مفهوم النظام الدولى نفسه.

فقد ظلت هناك العديد من السياسات الدولية التى تطورت خارج قواعد القانون الدولى، سواء تم صنع هذه السياسات من جانب مجموعة من الدول، أو تم فرضها من جانب قوى/ قوة دولية محددة. العديد من الظواهر الدولية، وعلى رأسها الحروب والاحتلال، وغيرهما، جاءت خارج القانون الدولى، وظل هدف القانون الدولى والمنظومتين الأمميتين اللتين عرفهما المجتمع الدولى، عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة، هو ضبط السلوك العنيف للفاعلين الدوليين، وضبط السياسات الدولية بقدر الإمكان.

وانطلاقا من أنه لا يمكن الوصول إلى حالة دولية يغيب فيها استخدام القوة العسكرية بشكل كامل، حيث يصبح استخدام القوة العسكرية فى بعض الحالات وسيلة نهائية لفرض الاستقرار والأمن، أو حقا مشروعا لفاعل دولى بشروط محددة، فقد نظم القانون الدولى، وميثاق الأمم المتحدة من خلال نظام الأمن الجماعى، قواعد استخدام القوة العسكرية. وحتى فى بعض الحالات التى وضعت فيها مجموعة دولية محددة نظاما للأمن الجماعى خاصا بها، فقد أمكن النظر أيضا إلى هذه المنظومات الفرعية على أنها جزء من آليات حفظ السلم والأمن الدوليين، خاصة فى ظل استنادها إلى معاهدات دولية معلنة، الأمر الذى جعلها جزءا من القواعد المنظمة للتفاعلات الدولية، والتى تساهم فى التحليل الأخير فى ضبط السلوكيات والممارسات الدولية من خلال بناء نظام للردع.

رغم كل الملاحظات السابقة، فقد ظل السؤال مشروعا حول مستقبل القانون الدولى والمنظومة الأممية الحالية، خاصة عندما يشهد المجتمع الدولى تطورات تمثل تهديدا أو خروجا على القانون الدولى والمنظومة الأممية.

لكن السؤال الآن بات أكثر إلحاحا بالنظر إلى عاملين رئيسيين.

الأول، أن قوى دولية رئيسية، وحلفاء لها، قامت خلال الفترة الأخيرة بممارسات عديدة وخطيرة خارج القانون الدولى والمنظومة الأممية، ومثلت تهديدا مباشرا ليس فقط لمدى قناعة هؤلاء الفاعلين بأهمية القانون الدولى والمنظومة الأممية كإطار حاكم للسلوكيات والسياسات الدولية، لكنها شكلت تهديدا حقيقيا لاستقرار هذه المنظومة، خاصة أن هذه القوى ساهمت هى نفسها فى صناعة قواعد القانون الدولى والمنظومة الأممية بعد الحرب العالمية
الثانية. الوزن النسبى لهذه القوى ومركزيتها داخل النظام الدولى يعظم من التأثيرات السلبية لممارساتها التى تجرى خارج القانون الدولى والمنظومة الأممية، ويحمل رسائل سلبية للمجتمع الدولى حول مدى أهمية الالتزام بالقانون الدولى.

 

العامل الثانى يتعلق بطبيعة المرحلة الراهنة التى يمر بها النظام الدولى، وهى مرحلة يغلب عليها سمتان رئيستان، الأولى هى الصراع الجارى على قمة النظام بين قوة مهيمنة، وهى الولايات المتحدة، تسعى إلى ضمان استمرار النظام الدولى أحادى القطب بقيادتها، وقوى صاعدة متمثلة فى الصين وروسيا، تسعى إلى نظام متعدد الأطراف، بشكل يتوافق مع التحولات المهمة التى جرت فى توزيع القدرات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية خلال العقدين الأخيرين.

هذا الصراع عكس نفسه فى مختلف المجالات، ودفع الولايات المتحدة إلى إهمال القانون الدولى والمنظومة الأممية كضابط لحركتها الدولية.

أكثر من ذلك، فقد تطورت مصلحة واضحة لدى الولايات المتحدة فى توجيه ضربات عدة للقانون الدولى والمنظومة الأممية، بل والعديد من الظواهر والمفاهيم الدولية المستقرة، وعلى رأسها ظاهرة العولمة، وما يرتبط بها من مبادئ مهمة مثل حرية التجارة، وغيرها.

من ثم، يمكن النظر إلى تحرك قوى دولية بعينها خارج القانون الدولى والمنظومة الأممية، بل والإصرار على توجيه ضربات محددة لهذه المنظومة، باعتبار ذلك جزءا من طبيعة المرحلة الراهنة فى تطور النظام الدولى. لكن يظل السؤال هل يؤسس ذلك لتدشين مرحلة ينتهى فيها الاعتماد على القانون الدولى والمنظومة الأممية؟ واقع الأمر يمكن تصور سيناريوهين.

الأول، هو أن تكون المرحلة الراهنة مرحلة انتقالية تؤسس لمراجعات كاملة وهيكلية للعديد من القواعد القانونية المستقرة، والمنظومة الأممية برمتها، والمعاهدات الدولية المستقرة.
لكن هذا السيناريو مرهون بحدوث تحولات هيكلية فى طبيعة النظام العالمى فى اتجاه بناء مرحلة جديدة من النظام أحادى القطب أو مرحلة جديدة من الهيمنة الأمريكية. فى هذه الحالة سيكون من مصلحة الولايات المتحدة إجراء هذه المراجعات بشكل يضمن استقرار هيمنتها بشكل لأطول مدى زمنى ممكن.

 السيناريو الثانى أن تكون المرحلة الراهنة مرحلة مؤقتة، تنتهى بنجاح القوى الصاعدة فى فرض نظام متعدد الأقطاب، ما يؤسس لعودة سريعة لإعادة الاعتبار للقانون الدولى والمنظومة الأممية. يدعم ذلك أن القوى الصاعدة نفسها استفادت- ولاتزال- من المنظومة القانونية والأممية القائمة، بل كانت هى نفسها جزءا من صناعة هذه المنظومات بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

بصرف النظر عن أى من السيناريوهين ستكون له الغلبة النهائية مع نهاية هذا الصراع، ستظل هناك مسئولية كبيرة على القوى الوسطى داخل النظام الدولى للحفاظ على القواعد المستقرة للقانون الدولى ومبادئه الأساسية، وعلى المنظومة الأممية.

ومع أهمية الوزن النسبى للقوى الكبرى، لكن تظل هناك قدرة لدى القوى الوسطى للتأثير والانتصار للقانون الدولى والمنظومة الأممية، بالنظر إلى عدد هذه القوى أو طبيعة علاقاتها بالقوى الدولية المهيمنة والصاعدة معا.

إن قوى دولية رئيسية، وحلفاء لها، قامت خلال الفترة الأخيرة بممارسات عديدة وخطيرة خارج القانون الدولى والمنظومة الأممية، ومثلت تهديدا مباشرا ليس فقط لمدى قناعة هؤلاء الفاعلين بأهمية القانون الدولى والمنظومة الأممية كإطار حاكم للسلوكيات والسياسات الدولية، لكنها شكلت تهديدا حقيقيا لاستقرار هذه المنظومة

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية