تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
أى شرق أوسط بعد الحرب؟
الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لم تنته بعد، ولا يمكن الجزم بالمسارات التى يمكن أن تأخذها خلال المرحلة المقبلة، ومن ثم لا يمكن توقع متى ستنتهي؟
لكن الثابت أنها ستفتح المجال أمام تحولات ضخمة، سواء على مستوى الإقليم أو على مستوى علاقة الإقليم بالقوى الدولية والنظام الدولى، وذلك لاعتبارات تتعلق بخصوصية هذه الحرب، سواء لجهة أن أحد أطرافها الرئيسيين هى القوى المهيمنة -حتى الآن- على النظام العالمى، ولطبيعة المرحلة الراهنة فى تطور هذا النظام، أو لجهة طبيعة أطرافها الإقليميين، ونطاقها الجغرافى الذى يتسع تدريجيا، ودخول فاعلين من غير الدول على خطوط المواجهة.
بشكل أولى، يمكن تحديد ثلاثة مستويات لتأثير هذه الحرب.
المستوى الأول،
يتعلق بطبيعة العلاقة بين الإقليم والنظام الدولى والقوى الرئيسية داخل هذا النظام. العلاقة بين أى إقليم/ نظام إقليمى والنظام الدولى تعتمد على عوامل عدة تُحدد فى النهاية الحدود الفاصلة بين المستويين الإقليمى والدولى. وقد نجحت العديد من الأقاليم فى وضع حدود فاصلة وواضحة مع النظام الدولى، سواء من خلال موازين قوى القائمة، أو من خلال صياغة ترتيبات أمنية تضمن وجود قواعد لعلاقة القوى الدولية بالإقليم، الأمر الذى يؤدى فى النهاية إلى وجود ضوابط للسياسات الدولية بشكل عام، وسياسات القوى الكبرى بشكل خاص، بما فى ذلك التدخل العسكرى الخارجى.
إحدى المشكلات الرئيسية داخل إقليم الشرق الأوسط هى عدم وجود حدود فاصلة بين الإقليم/ النظام الإقليمى والنظام الدولى، بسبب طبيعة العلاقات الإقليمية البينية، وغياب ترتيبات أمنية إقليمية فاعلة تقف على تنظيم وضبط هذه العلاقة، فضلا عن العلاقات الأمنية المباشرة بين عدد من دول الإقليم والقوة المهيمنة على النظام الدولى ممثلة فى الولايات المتحدة.
هذه المشكلة من المتوقع أن تزداد تعقيدا بعد الحرب. يدفع فى هذا الاتجاه عوامل ثلاثة رئيسية؛
أولها، علاقات الصدام، والتحالف المباشر بين الولايات المتحدة ودول فى الإقليم، الأمر الذى جعل الولايات أقرب إلى فاعل رئيسى فى الإقليم، وهى سمة قائمة منذ عقود، لكن من المتوقع أن تتعمق بعد الحرب.
ثانيها، ما أثارته الحرب من تساؤلات حول مصادر تهديد الأمن الإقليمى وتباين ترتيب هذه المصادر من حيث درجة أهميتها وخطورتها بالنسبة لكل إقليم فرعى، وبالنسبة لكل دولة على حدة من دول الإقليم. هذا التباين سوف يستتبعه تباين متوقع فى طريقة التعامل مع هذه التهديدات.
ورغم ما ارتبط بالحرب الجارية من جدال وفرضيات حول الدور السلبى للولايات المتحدة، ونمط علاقاتها وارتباطاتها بالإقليم، وتأثير كل ذلك على الأمن الإقليمى، وحدود الاعتماد على الولايات المتحدة كحليف ضامن للأمن القومى للعديد من الفاعلين الإقليميين أو بعض الأقاليم الفرعية،
لكن مع ذلك فقد يكون الاستنتاج النهائى من جانب بعض الأطراف أن حماية أمنها القومى لا يمكن ضمانه إلا من خلال المزيد من تعميق العلاقات الأمنية والدفاعية مع الولايات المتحدة.
ثالثها، بعض القراءات السلبية المتوقعة لموازين القوى بعد الحرب.
المستوى الثانى،
يرتبط بالمستوى السابق، ويتعلق بطبيعة العلاقة بين الإقليم والقوى الصاعدة داخل النظام الدولى (روسيا والصين).
إحدى الملاحظات المهمة فى هذا الشأن هى غموض مواقف هذه القوى، رغم علاقاتها القوية (السياسية، والاقتصادية والأمنية) مع الإقليم والعديد من دوله، فضلا عن التأثيرات السلبية للحرب على فرص النفاذ إلى مصادر الطاقة وحرية الملاحة والتجارة.
هذا الغموض بالتأكيد سيكون له تأثيره على حسابات العديد من قوى الإقليم فى صياغة علاقاتها مع هذه القوى، الأمر الذى سيترك، بالتالى، تأثيراته على تحولات النظام الدولى بعد الحرب. لكن هذه التأثيرات لن تسير فقط فى اتجاه التأثير السلبى على إدراك قوى الإقليم لحدود الاعتماد على القوى الصاعدة أو على الأقل وزنها النسبى داخل النظام الدولي؛ إذ تظل هناك تحولات أخرى تتعلق بصورة الولايات المتحدة ومدى قدرتها على الاضطلاع بمسئولياتها تجاه الأمن العالمى، والنظام الاقتصادى والتجارى العالمى، بما فى ذلك القيم والمبادئ الأساسية التى يقوم عليها هذان النظامان.
المستوى الثالث،
ينصرف إلى العلاقات الإقليمية البينية. الحرب ستفتح تساؤلات عديدة حول شكل الإقليم وطبيعة العلاقات الإقليمية البينية. كما سبق القول، إحدى الفرضيات المطروحة هنا هى اتجاه العديد من الفاعلين الإقليميين إلى مراجعة ترتيب مصادر التهديد، الأمر الذى قد يؤدى إلى إعادة النظر فى طبيعة العلاقة مع أطراف الحرب.
لكن هذا لا ينفى طرح فرضية أخرى، مفادها اتجاه القوى الإقليمية إلى مراجعة خبرة الإقليم بشكل عام، تنتهى إلى إمكانية بناء ترتيب إقليمى يتعامل مع مصادر التهديد المختلفة. لكن هذا النهج فى التعامل مع شكل الإقليم يحتاج إلى توافر عدد من الشروط، أهمها تجاوز دول الإقليم خبرة الحرب الحالية، والاستفادة من خبرات العديد من الأقاليم الأخرى التى نجحت ليس فقط فى بناء ترتيبات إقليمية فاعلة، لكنها نجحت أيضا فى بناء علاقات محددة مع النظام الدولى والقوى الدولية تضمن الحفاظ على الخطوط الفاصلة بين الإقليم/ النظام الإقليمى، والقوى الدولية/ النظام الدولى، بحيث لا تأتى السياسات الدولية على حساب الأمن الإقليمى والتفاعلات الإقليمية البينية.
ومن بين هذه الشروط المهمة أيضا بناء توافق إقليمى حول طبيعة هذا الترتيب والمنهج الذى سيتم اتباعه فى بنائه. الحديث عن ترتيب إقليمى فى الشرق الأوسط ليس وليد هذه الحرب؛ فقد سبق ذلك أدبيات واجتهادات عديدة، لكنها افتقدت إلى شروط نجاحها. فقد ركزت هذه المحاولات على المدخل الاقتصادى، وأهملت الشروط والمداخل السياسية والأمنية، وعلى رأسها تسوية مصادر الصراع الرئيسية فى الإقليم، وانطلقت هذه المحاولات من افتراض مفاده أن المنهج الاقتصادى سوف يقود -حتما- إلى تسوية الصراعات الإقليمية، وهو افتراض خطأ، سواء لجهة عدم الوثوق فى بعض القوى الإقليمية واستخدامها هذا المنهج بشكل مضلل للتنصل من تسوية الصراعات القائمة، فضلا عن تمسكها بسياسات أمنية وعسكرية تُجهِض أى فرص لتسوية هذه الصراعات.
أضف إلى ذلك ما وصلت إليه الخريطة الراهنة للصراعات ومصادر التهديد فى المنطقة التى جعلت من التعاون الاقتصادى ترفا كبيرا.
إحدى المشكلات الرئيسية داخل إقليم الشرق الأوسط هى عدم وجود حدود فاصلة بين الإقليم/ النظام الإقليمى والنظام الدولى، بسبب طبيعة العلاقات الإقليمية البينية، وغياب ترتيبات أمنية إقليمية فاعلة تقف على تنظيم وضبط هذه العلاقة، فضلا عن العلاقات الأمنية المباشرة بين عدد من دول الإقليم والقوة المهيمنة على النظام الدولى ممثلة فى الولايات المتحدة
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية