تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
السياق الأوسع لفهم ما حدث فى فنزويلا
ما حدث فى فنزويلا فجر السبت الماضى هو من الأحداث الدولية المحدودة التكرار، لكنها شديدة التأثير، ومن المتوقع أن يكون لها ارتداداتها بشأن طريقة إدارة الصراعات الدولية، بل ربما تسريع ظهور صراعات دولية كبيرة.
اختطاف الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو وزوجته هو حادث له خصوصيته الشديدة بالنظر إلى عاملين رئيسيين، أولهما أن خرق أجواء دولة ذات سيادة وخطف رئيسها وزوجته جاء من جانب قوة عظمى هى الدولة المهيمنة على قمة النظام العالمى حتى الآن، والتى يُفترض أن تضطلع - ضمن مهامها المختلفة - بالحفاظ على القواعد المستقرة فى النظام العالمى،
وهى القواعد التى ساهمت هى نفسها فى تأسيسها عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. تقويض الولايات المتحدة للعديد من هذه القواعد لم يأت مع هذه العملية فقط، فقد سبقها عشرات الممارسات الأمريكية التى ساهمت فى تقويض العديد من الأسس المستقرة منذ عقود داخل النظام العالمى. ثانيهما، يتعلق بطبيعة المرحلة الراهنة للنظام العالمى، الذى يمر بحالة من السيولة الشديدة والخطيرة، من ناحية، وصعود الصراعات الجيوسياسية- والجيو-اقتصادية من ناحية أخرى. بعض هذه الصراعات بدت على السطح خلال السنوات الأخيرة ومازالت قائمة، لكن بعضها مازال كامنا ينتظر اللحظة المناسبة للانفجار.
هذه الخصوصية تفتح المجال أمام تداعيات وارتدادات خطيرة لحادثة خطف رئيس فنزويلا.
أول تلك التداعيات أنها تفتح المجال أمام نمط جديد فى إدارة الصراعات الجيو-اقتصادية والجيو- سياسية القائمة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين. هذا الصراع يتركز بالأساس فى عدد المجالات. أولها، الصراع على إعادة توزيع خرائط النفوذ فى العالم، وهو صراع انتبهت إليه الولايات المتحدة مؤخرا مع توسع خريطة النفوذ الصينى فى العالم والتى تجاوزت بعض مناطق محيطها الإقليمى المباشر لتشمل مناطق واسعة فى إفريقيا ووسط وجنوب آسيا بالإضافة إلى أمريكا اللاتينية. ورغم أن خريطة النفوذ الروسى مازالت أقل من الصين والولايات المتحدة، لكنها شهدت توسعا خلال السنوات الأخيرة. من ثم، لا يمكن فهم العملية الأخيرة فى فنزويلا بعيدا عن سعى الولايات المتحدة إلى توسيع أو استعادة حضورها فى محيطها الإقليمى المباشر الذى بات مهددا حسب رؤيتها. اختطاف رئيس فنزويلا سيعقبه بالتأكيد إعادة هندسة النظام الحاكم فى البلاد من خلال ضمان وصول نخبة موالية للولايات المتحدة تضمن دوران فنزويلا فى دائرة النفوذ الأمريكية، وصولا إلى إمكانية احتلال فنزويلا؛ فضلا عما قد يرتبه ذلك من ارتدادات داخل المنطقة فى الاتجاه نفسه. هذا التوجه الأمريكى يمكن أن يستند إلى مفاهيم نظرية يتم الترويج لها، على نحو ما حدث مع موجة التدخل العسكرى الأمريكى التى بدأت عقب أحداث سبتمبر 2001، مثل «الوصاية الجديدة» أو «الامبريالية الجديدة»، وغيرها. لجوء الولايات المتحدة إلى هذه الطريقة قد يفتح المجال أمام اعتمادها من جانب قوى منافسة أخرى، وهو ما يفسر ردود الفعل الدولية المرنة حتى الآن.
ثانى تلك المجالات هو الصراع على مصادر الطاقة؛ فرغم اتجاه معظم دول العالم إلى تبنى مزيج طاقة يتزايد فيه الوزن النسبى لمصادر الطاقة غير التقليدية مثل الطاقة النووية وطاقة الرياح، لكن مازالت مصادر الطاقة التقليدية تستحوذ على النسبة الأكبر فى هذا المزيج، ومازالت موضوعا للصراع بين القوى الرئيسية داخل النظام الدولى، الأمر الذى جعل السيطرة على مراكز الإنتاج هدفا رئيسا. قراءة التغير الذى تشهده خرائط النفوذ بشكل عام، وخرائط مشروعات الطاقة العابرة للأقاليم بشكل خاص (إفريقيا وأقاليم جنوب شرق ووسط آسيا أمثلة مهمة) تمثل مفتاحا رئيسا لفهم هذا الصراع. بهذا المعنى، فإن سيطرة الولايات المتحدة على فنزويلا، والتى تمتلك أكبر احتياطى نفطى فى العالم، تمثل محطة أساسية وضرورية فى إدارة هذا الصراع. لجوء الولايات المتحدة إلى هذه الطريقة للسيطرة على احتياطيات النفط لدى فنزويلا سيفتح المجال بالتأكيد لأنماط مشابهة لسيطرة القوى الكبرى على مصادر واحتياطيات الطاقة، أو على الأقل سيعطى هذا الصراع زخما أكبر فى المرحلة المقبلة، ليتحول إلى صراع رئيسى.
لا تقتصر الصراعات الدولية الجارية على المجالين السابقين فقط؛ إذ تشمل أيضا الصراع على المعادن النادرة، وتكنولوجيات الجيل الخامس، وغيرها. لكن يظل هذان الصراعان هما الأكثر ارتباطا بحادثة خطف الرئيس مادورو، أو بمعنى أدق فإن ما حدث فى فنزويلا هو حادثة كاشفة عن عمق هذين الصراعين وما يمكن أن يصلا إليه خلال السنوات القادمة.
لكن خطورة ما حدث فى فنزويلا فجر السبت الماضى أنه قد يؤسس لمحاكاة هذه الطريقة فى حالات أخرى، خاصة أنه يمكن محاكاتها ليس بالضرورة للسيطرة على احتياطيات نفطية، لكن لحسم صراعات كبيرة مازالت مفتوحة فى انتظار الحسم، أو مازالت مؤجلة لمرحلة تالية. وتزداد فرص هذه المحاكاة أو إعادة إنتاج الأداة نفسها فى ظل تصاعد احتمالات حدوث صفقات كبيرة بين القوى المتنافسة.
وتقدم الرؤية الأمريكية لإنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية هنا مثالا مهما على إمكانية حدوث مثل هذه الصفقات الجيوسياسية الكبيرة. ما يحدث بين الولايات المتحدة وروسيا قد لا يحدث بالضرورة بين الولايات المتحدة والصين، فالاحتمال الأكبر هو احتدام الصراع بين الطرفين الأخيرين على مناطق النفوذ ومصادر الطاقة وحسم الصراعات الجيوسياسية بأدوات أكثر خشونة.
عملية اختطاف مادورو مثلت تطبيقا سريعا لما جاء فى استراتيجية الأمن القومى الأمريكى الصادرة فى نوفمبر الماضى، والتى وضعت أمريكا اللاتينية كأولوية أولى قبل باقى الأقاليم، وتحدثت بشكل مباشر عن ضرورة استقطاب قوى إقليمية قادرة على حماية المصالح الأمريكية، وإعادة النظر فى الوجود العسكرى الأمريكى. وأشارت الوثيقة بشكل مباشر إلى ما تمتلكه المنطقة من موارد استراتيجية مهمة «ينبغى لأمريكا أن تتعاون مع حلفائها الإقليميين لتطويرها»، وأن مجلس الأمن القومى سيبدأ «على الفور عملية تنسيقية قوية بين الوكالات لتكليفها، بدعم من الذراع التحليلية للاستخبارات، بتحديد المواقع والموارد الاستراتيجية فى نصف الكرة الغربى بهدف حمايتها وتطويرها بشكل مشترك مع الشركاء الإقليميين». وكانت الوثيقة أكثر صراحة عندما قالت «لقد حقق المنافسون من خارج نصف الكرة الأرضية توغلاً كبيراً فى نصف الكرة الأرضية الذى نعيش فيه، مما أدى إلى إضعافنا اقتصاديا فى الوقت الحاضر، وبطرق قد تضر بنا استراتيجياً فى المستقبل. إن السماح بهذه التوغلات دون رد فعل جاد يُعد خطأً استراتيجياً أمريكياً فادحاً آخر فى العقود الأخيرة».
إن الترجمة العملية لما جاء فى استراتيجية الأمن القومى بشأن أمريكا اللاتينية بهذه الطريقة وبهذه السرعة يثير تساؤلات عدة حول السياسات الأمريكية المرتقبة تجاه أقاليم أخرى، وكيفية التعامل معها.
***
لا يمكن فهم العملية الأخيرة فى فنزويلا بعيدا عن سعى الولايات المتحدة إلى توسيع أو استعادة حضورها فى محيطها الإقليمى المباشر الذى بات مهددا حسب رؤيتها. اختطاف رئيس فنزويلا سيعقبه بالتأكيد إعادة هندسة النظام الحاكم فى البلاد من خلال ضمان وصول نخبة موالية للولايات المتحدة تضمن دوران فنزويلا فى دائرة النفوذ الأمريكية، وصولا إلى إمكانية احتلال فنزويلا؛ فضلا عما قد يرتبه ذلك من ارتدادات داخل المنطقة فى الاتجاه نفسه
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية