تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الذكاء الاصطناعى السيادى

يشهد العالم اليوم تحولا فى مفهوم القوة؛ انشغل طويلا بسباق التسلح النووى، وينهمك الآن فى «سباق النماذج اللغوية»؛ أشارت تقارير إعلامية إلى استخدام الذكاء الاصطناعى فى العمليات العسكرية الأمريكية فى إيران؛ تُختزل الجغرافيا فى شرائح السيليكون وسرعة التدفق الخوارزمى، لم يعد السؤال: مَن يمتلك الأرض فحسب، بل مَن يمتلك الكود،

باتت معالجة البيانات بمثابة «النفط الجديد» ومحرك القرار السياسى والعسكري؛ هذا التحول ليس مجرد طفرة تقنية، بل إعادة صياغة لموازين القوى.

 

الدول التى لا تمتلك «ذكاء اصطناعيا سياديا» يعبر عن هويتها ويحمى أمنها القومى، تسقط فى «تبعية رقمية» لا تقل خطورة عن الاستعمار التقليدى، أصبحت «الخوارزميات» أداة ضغط فى يد الكبار، لفرض نفوذهم الجيوسياسى عبر التحكم بالأنظمة الذكية، وبالتالى تشكيل الوعى الجمعى للشعوب من خلف الشاشات.

وإذا كانت الدبلوماسية التقليدية قد عُرفت بـ «دبلوماسية البوارج»، فإن عام 2026 كرّس «دبلوماسية أو حرب الرقائق»؛ على نحو التنافس بين الولايات المتحدة والصين، لصناعة مسار القوة بخيوط من سيليكون ومعرفة؛ تُرسم خريطة العالم الجيوسياسية، اليوم، حول «مضايق تقنية» لا تقل حيوية عن مضيق هرمز أو باب المندب؛ أى مراكز تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة، لم تعد القوة تُقاس بمساحة الرقعة الجغرافية، بل بمقدار النانو مترات التى تفصل بين الترانزستورات فى المعالجات فائقة الدقة،

باتت القدرة على حجب «القوة الحاسوبية» و«الرقائق» عن الخصوم سلاحا استراتيجيا فتاكا؛ من يتحكم فى سلاسل توريدها يستطيع تعطيل عقل الدولة المنافسة، وتجميد تطورها العسكرى والمدنى بضغطة زر واحدة؛ هذا الواقع فرض على الدول المتوسطة والصاعدة خيارات مريرة: الانخراط فى أحلاف تقنية مقابل تنازلات سياسية، أو بناء صناعة وطنية باهظة التكاليف.

تدرك هذه الدول أن الاعتماد على نماذج «مستوردة» يعنى بالضرورة استيراد تحيزات أيديولوجية وقيمية مبرمجة داخلها؛ فمن يمتلك «البيانات الضخمة» والقدرة على تدريبها، يمكنه توجيه الرأى العام وصياغة الرواية التاريخية، ومن ثمّ التأثير فى اتخاذ «القرار السيادى» فى لحظات الأزمات؛ لذلك نشهد سباقا محموما من واشنطن إلى بكين، إلى عواصم إقليمية طموح، لإقامة بنية تحتية تقنية، ونماذج لغوية تتحدث بلسان القوم، وتفكر وفق مقتضيات مصالحهم العليا، بعيدا عن الفلاتر الأجنبية التى قد تعيد تعريف مفاهيم مثل: الديمقراطية، الإرهاب، أو الحقوق التاريخية وفق أهواء المطور الأصلى.

وقد تتجاوز هذه «التبعية الخوارزمية» الاقتصاد إلى صلب الأمن القومى؛ يمكن لتحديث برنامج أو فيروس إلكترونى أو هجوم سيبرانى أن يشل مفاصل الدولة ومؤسساتها. والخلاصة أن هذا الصراع لا يعكس تفوقا تقنيا فقط، بل إعادة تعريف لمعنى «الدولة»؛ أرست «معاهدة وستفاليا» قبل قرون قواعد سيادة الدولة الوطنية، لكنها تتلاشى حاليا، فى ظل صعود «السيادة الرقمية»؛ تُخترق الحدود الوطنية لا بالجيوش، بل بنماذج الذكاء الاصطناعى العابرة للقارات؛ وتُباع منظومات الدفاع والهجوم كبرمجيات قابلة للتطوير، كأنها اشتراكات فى منصات ترفيهية، لكن بتبعات دموية. لا نتحدث هنا عن مجرد طائرات مسيرة أو أسلحة ذكية، بل عن نشوء الحرب كخدمة لأهداف غير إنسانية، لجنى أرباح اقتصادية أو سياسية أو عسكرية أو جيوسياسية أو غيرها، مهما تكن الدماء المراقة؛ والأشد خطورة أن تنتقل بوصلة «قرارات الحرب» من اليد البشرية المرتجفة إلى «المنطق الخوارزمي» البارد أى «الذكاء الاصطناعي» الذى لا يعرف الضمير أو التردد!.

تصبح السيادة الوطنية أشبه بالوهم؛ لأن معايير تصنيعها، قد لا تتوافق بالضرورة مع الأمن القومى لهذه الدولة أو تلك أو تطلعاتها السياسية؛ كانت السيادة تُعرف بالقدرة على التحكم فى رقعة جغرافية، فصارت مرهونة بالقدرة على التحكم فى فيالق التكنولوجيا، «سحابة البيانات التى تحلق فوق هذه الرقعة، تلتقط أجهزة الاستشعار والكاميرات فى المدن من حولنا حركة المرور وإيقاع حياتنا، وحتى أنماط تفكيرنا، تحولها إلى «بيانات خام» تغذى خوارزميات تملك مفاتيح شيفرتها، شركات عالمية عملاقة، تفرض قوانينها الخاصة فى مناطقنا؛ وإذا فقدت هذه المدينة الذكية استقلاليتها التقنية، تتحول من «مساحة للعيش» إلى «مختبر للتحكم» من خارج الحدود، كان لافتا فى هذا السياق التهديد المتبادل بين أمريكا وإيران بسلاح «قطع الكهرباء».

من أجل ذلك، لم يعد الحديث ينصب- فى مراكز الأبحاث الاستراتيجية- على كفاءة الخوارزميات، بل على هويتها؛ وصار الذكاء الاصطناعى السيادى حائط صد ضد الاستعمار الرقمى، صرخة استقلال بوجه «العولمة الرقمية» التى تهدد الخصوصيات الثقافية والسياسية، ورويدا رويدا تتعالى المطالبات الدولية بضرورة صياغة «ميثاق عالمى للذكاء الاصطناعي»؛ يضمن ألا تتحول الخوارزميات إلى أدوات بأيدى القوى الكبرى؛ لقمع الشعوب والدول المتوسطة والصغيرة أو تأجيج صراعات عسكرية لا يتحكم فيها البشر.

وسط هذا المشهد الخطير، تقف البلاد العربية فى مفترق طرق؛ امتلاك الثروات الطبيعية ليس كافيا لضمان مكان تحت الشمس؛ التحدى الوجودى أمامها: هل تكتفى بدور «المستهلك المتميز» الذى يشترى أحدث التقنيات لكنه لا يملك مفاتيح برمجتها؟ أم تبنى كتلة تقنية عربية تمتلك بياناتها السيادية ونماذجها اللغوية الخاصة؟. إن السيادة فى هذا القرن لن تُحرس فقط بالحدود، بل بالعقول التى تكتب الكود؛ ومن لا يمتلك «خوارزميته» اليوم، قد لا يمتلك قراره غدا، والدول التى تكتفى بموقع «مستهلك التقنيات»، تجد نفسها أمام نوع جديد من التبعية؛ «التبعية الخوارزمية»؛ ما يجعل توطين التكنولوجيا وتطويرها ضمانة أساسية للسيادة، وضرورة استراتيجية للبقاء والنمو فى المستقبل!.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية