تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
إسرائيل وخطة «إسبرطة العظمى»!
لاتُصاغ الاستراتيجيات على مهل، فى الشرق الأوسط، ولا تُبنى العقائد العسكرية بعيدا عن هدير المدافع؛ تتقدم الجغرافيا على الفلسفة، ويُختبر الاقتصاد فى ساحات النار قبل الأسواق، تطمح إسرائيل فى أن تصبح «إسبرطة العظمى»، قلعة مكتفية تسليحيا بذاتها، عبر مشروع لتحقيق الاكتفاء الذاتى من الأسلحة؛ لمضاعفة الوزن الاستراتيجى للدولة العبرية إقليميا ودوليا، وإنهاء زمن «الاعتماد المشروط».
لم يلتفت كثيرون فى المنطقة لإعلان بنيامين نيتانياهو، ديسمبر الماضى، أن تل أبيب ستنفق 110 مليارات دولار؛ على مدى 10 سنوات، لتطوير صناعتها العسكرية، وتقليل الاعتماد على الحلفاء الآخرين- فى إشارة للولايات المتحدة- وأضاف: رسخنا مكانتنا كقوة إقليمية، وفى بعض المجالات كقوة عالمية، وهذا يقرب إلينا دولا كثيرة؛ فالسلام يصنع مع الأقوياء لا الضعفاء.
إن مشروع الاكتفاء الذاتى تسليحيا، ليس مجرد خيار اقتصادى، بل تحول فلسفى فى تصور إسرائيل لأمنها وهويتها ودورها العالمي؛ ضمن رؤية استراتيجية لتعزيز قدرتها على ردع «الأعداء» وجذب «الأتباع»، وإغرائهم بما تحوزه ترسانتها من منظومات متطورة؛ فى ظل قناعة بأن توسيع القاعدة التصنيعية يعزز المكانة الإسرائيلية فى سوق السلاح العالمى، ارتفعت صادراتها العسكرية 13% العام الماضي.
وبحسب الإعلام الإسرائيلى يأتى هذا التوجه فى ظل فرض حلفاء غربيين بعض القيود على مبيعات الأسلحة بسبب الحرب على غزة، ودروس المواجهات مع إيران وغيرها؛ كذلك التحسب لزمن يتراجع فيه الدعم الأمريكى لأى سبب؛ لتصبح الدولة العبرية أكثر تحصينا أمام إمكانية قطع الإمدادات مستقبلا، إذ تحتل إسرائيل المرتبة 15 فى استيراد الأسلحة، وتحوز 2% من واردات السلاح فى العالم، غالبيتها من الولايات المتحدة وألمانيا،
وخصصت تل أبيب 16% من الإنفاق العام خلال 2026 لميزانية الدفاع، بما يتجاوز 30 مليار دولار سنويا، مع خطط لرفعه تدريجيا إلى مستويات غير مسبوقة. إنه مشروع لا يتعلق فقط بزيادة الميزانية، بل بإعادة تعريف تل أبيب لذاتها: من مستورد للسلاح، يعتمد فى مفاصل حيوية على حلفائه، إلى قلعة صناعية عسكرية تتحكم فى حلقات الإنتاج، من الرقاقة الإلكترونية إلى الصاروخ بعيد المدى.
لكن لماذا الآن؟..
يعى الكيان الصهيونى دروس الحروب الحديثة، لاسيما هشاشة سلاسل الإمداد، حتى أقرب الحلفاء - وعلى رأسهم واشنطن - يخضعون لحسابات وضغوط سياسية وتصنيعية داخلية، عند تصدير ذخائر وأسلحة معينة، هذا أوجد فى الوعى الإسرائيلى قناعة مفادها أن الاستقلال فى الذخيرة لا يقل أهمية عن التفوق فى التكنولوجيا، خاصة مع احتمالات الحرب الطويلة متعددة الجبهات مع إيران أو أى طرف آخر بالإقليم؛ ما يفرض تصورا أمنيا يستبعد الركون إلى إمدادات خارجية قد تتأخر أو تُقيد، وبالتالى تؤثر فى استقلالية القرار العسكرى والسياسى، أما الإنتاج المحلى فيمنح صانع القرار هامش حركة أوسع، خصوصا فى النزاعات الحساسة التى قد تثير اعتراضات دولية.
كما أن تطوير صناعات عسكرية حديثة يعمق شراكات إسرائيل مع قوى كبرى، ويحجز لها مكانا وسط نادى الأقوياء، ويعيد رسم خرائط التحالف فى المنطقة، بالإضافة إلى ذلك الفوائد الاقتصادية من وراء تحولها إلى لاعب كبير فى الصناعات العسكرية وزيادة صادراتها، وحجز مكانة مرموقة بين كبار منتجى السلاح عالميا ومنافستهم، فكلما توسعت صادرات الكيان الصهيونى من السلاح، زادت حساسية علاقاته مع الدول المستوردة، ووقوفها فى صفه.
الأهم أن تحويل إسرائيل إلى «قلعة صناعية عسكرية» يحقق لها سيناريو التفوق المستقر؛ شركات السلاح المتطور ليست مجرد مصانع، بل منظومات بحث وتطوير عابرة للحدود، ترتبط بالجامعات، وشركات التكنولوجيا الناشئة، ووحدات النخبة فى الجيش، فى نموذج يدمج الأمن بالاقتصاد المعرفي؛ تبنى إسرائيل «مجمعا صناعيا عسكريا سياسيا»، يتحكم بالاقتصاد ويشكل رافعة للنفوذ الدولى، وموئلا للابتكار العسكري؛ كل ذلك يسند مخططاتها للتمدد على حساب أراضى الآخرين والهيمنة على المنطقة؛ فهى تدرك أنها كيان منبوذ إقليميا، وتخشى توقف الدعم الغربى (أساس وجودها) ذات يوم؛ لذا تسعى للاعتماد على نفسها، لكن نجاحها فى ذلك، مرهون بوجود مظلة أمريكية، وسط تساؤلات بشأن التمويل والتكنولوجيا وغيرها.
فى المحصلة، يمثل هذا التحول الإسرائيلى نقطة تلاق بين السياسة، والاقتصاد، والأمن الإقليمى والدولي؛ ففى عالم لا تتوقف فيه النزاعات والرهانات الاستراتيجية عن التفجّر، لا تعد صناعة السلاح مجرد قطاع صناعى، بل رافعة نفوذ وضامن للسيادة، وأداة ضغط فى ميزان القوى. ولو نجحت خطة إسرائيل فى إنتاج أنظمة دفاع وهجوم متقدمة، سيصبح هذا نقلة نوعية فى استراتيجيتها الأمنية والدفاعية - وليس تطورا ارتجاليا - توسّع الفجوة التكنولوجية بينها وبين خصومها، وتخلخل موازين القوى، وتزعزع استقرار الشرق الأوسط؛ وقد تدفع دوله إلى سباق تسلح.
تظهر دروس التاريخ أن التفوق العسكرى المطلق يخلق ردود فعل عكسية، بدلا من الردع، وأى توسع إقليمى فى برامج التسلح يقود حتما إلى توترات مزمنة، فى واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة؛ بناء عليه يشعل مخطط التسليح الإسرائيلى الجغرافيا، يضيف طبقات من التعقيد لأوضاع الشرق الأوسط الملتهبة، ويعيد رسم لوحة التوازنات والسياسات بالإقليم، ويجب على العرب أخذه بالجدية الكافية، وقد تعكف دول المنطقة على تطوير صناعاتها المحلية، أو نسج تحالفات جديدة داخل الإقليم، لتحقيق التوازن مع القوة الإسرائيلية المدججة بأرقى الأسلحة، سواء التقليدية أو أسلحة الدمار الشامل، فالتاريخ يعلمنا أن القلاع، مهما بلغت صلابتها، لا تعيش فى فراغ، تتأثر بمحيطها كما تؤثر فيه!.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية