تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > د. محمد حسين أبوالحسن > «إيبستين».. بين السياسة والصحافة

«إيبستين».. بين السياسة والصحافة

عندما قررت صحيفة «ميامى هيرالد» نشر تحقيق «الفتيات القاصرات وجيفرى إيبستين: كيف فشل النظام» بقلم المحققة العنيدة جولى براون، فى نوفمبر 2018، لم يكن الخبر جديدا، فقصة الملياردير المنحرف كانت تطفو وتختفى منذ 2005. الجديد كان الإصرار، لم تتوقف المطرقة حتى حطمت الصخرة، فتحت الأبواب الموصدة على الأسرار؛ فكان التأثير زلزاليا؛ وتوالت التبعات كأمواج الطوفان.

 

لم تكن الصحافة مجرد ناقل للخبر، اشتمت رائحة الفساد من وراء الجدران العالية، نبشت جثة «نظام» آخذ فى التعفن، حوَّلت جولى براون وفريقها الصحافة من مهنة إلى «ضمير بديل» للمجتمع، خاصة عندما تلعثمت الآلة السياسية والقانونية على عتبات قصور السلطة والمال، باتفاقية ستر مثيرة للاشمئزاز عام 2008، حذفت الأسماء الكبيرة من الملفات، وألقت بالأدلة فى جب الخفاء؛ تتبعت الصحافة بدأب خيوط شبكة إيبستين العالمية، من جزر الكاريبى إلى القصور الفخمة فى عواصم القرار الكبرى، من ضحايا خائفات إلى محامين مرتزقة، جرى إعلاء أصوات الضحايا على أصوات النخب الفاسدة الانتهازية، بإصرار على تتبع جرائمهم وسط محاولات الإرهاب القانونى والمالى، واستفحال الأمراض المتوطنة فى أبنية السلطة والأعمال.

وفى حين حاولت أطراف «تسييس» الفضيحة لتحقيق مكاسب، وسعى آخرون لاحتوائها بأى ثمن، كشف المحققون الصحفيون عن أن هناك نظامين للعدالة، ورفعوا الستار عن أحدهما لصالح الآخر، حتى اعتقل «النخاس» إيبستين، وبانكسار حاجز الخوف تشجع عشرات الضحايا من النساء على البوح، محميات بسلاح الكلمة المنشورة، بعدما خذلتهن سلطة القانون، ثم توالى سقوط الأقنعة عن شخصيات بارزة، فى السياسة والاقتصاد والأوساط الأكاديمية، تجاوزوا كل خطوط الإنسانية والشرف، ارتكبوا أبشع الجرائم وأفظعها، بما يفوق الخيال، وتكشفت علاقاتهم المظلمة وأخلاقياتهم المنعدمة.

ستظل قضية جيفرى إيبستين اختبارا لمؤسسات الديمقراطية بالولايات المتحدة، بعدما نجحت الصحافة الأمريكية فى تسليط الضوء على فساد أجهزة العدالة الفيدرالية، وتسترها على فظائع يرتكبها ذوو النفوذ والسلطان؛ وبالتالى ستُقاس قدرة النظام على محاسبة نفسه من الداخل بمدى الجدية فى ملاحقة المتورطين، بغض النظر عن مناصبهم، كمؤشر لصحة المجتمع أو اعتلاله؛ فقد تحولت القضية من حادثة منعزلة إلى رمز عالمى لفساد النخب، ومراوغتها للإفلات من العقاب، فى سردية مروعة لا يمكن نسيانها أو التغاضى عنها؛ لقد سقط إيبستين الرجل الذى اشترى كل شىء، لأنه عجز عن شراء شىء واحد: الصمت الأبدى من جانب الإعلام الحر المسئول؛ لذلك لا يمثل سقوطه انتصارا للصحافة فحسب، بل تذكير مرير بخطورة تراخى الصحافة أو تقصيرها فى أداء واجبها تجاه الأوطان وجمهور القراء.

أثبتت هذه القضية أن أقوى قوة فى العالم ليست النفوذ السياسى أو الثروة، بل الفكرة الواضحة، المدعومة بالوثيقة، والمُقدمة بشجاعة من أجل الحق، أظهرت الوقائع كيف تحاول السياسة خلق مناطق محرمة على النقد: أسماء كبرى، علاقات دولية؛ بذريعة مصلحة مفترضة للدولة العظمى. تظهر قضية إيبستين العلاقة الجدلية بين الصحافة والأخلاق والسياسة بوضوح مؤلم، كأنها مسرحية يونانية تُعرِى أبطالها تباعا؛ حين قالت جولى براون: «كان السؤال الحقيقي: من كان يحمى إيبستين؟»، كانت تطعن فى قلب الهرم السياسي- الاجتماعى القائم على الحماية المتبادلة. هذا هو الدور التفكيكى للصحافة الحرة: تفكيك سردية السلطة وتركيب سردية الحقيقة، وكسر التابوهات بأدلة ومسئولية.

عندما تمتزج السياسة بالفساد تدخل الصحافة اختبارات قاسية، تبرز ميزانا أخلاقيا؛ قد تنحنى تحت وطأة المصلحة أو الخوف، لكن الصحافة السوية «ذات السقف المرتفع» تتحول إلى «جهاز إنذار أخلاقي» مستقل. مهمتها ليست استبدال القضاء، بل دفعه لأداء وظيفته دون انتقائية؛ تُعيد الصحافة الجيدة تعريف «الخطيئة العامة» من مجرد مخالفة قانونية، إلى خيانة للثقة المجتمعية، مثلما فعلت مع قضية إيبستين التى لا تزال حلقاتها تتوالى يوما بعد يوم، وسط ذهول واشمئزاز عالميين، فالجمرة تحت الرماد لن تنطفئ؛ فالقضية لم تعد الحديث عن «إيبستين»، بل عن مرض فى جسد النظام.

الدرس الأهم هنا أن الصحافة الحقيقية ليست «صدى للسلطة»، بل صوت من لا صوت لهم، وعندما تُصاب أجهزة الرقابة الرسمية بالشلل، أو الأسوأ أى المشاركة فى الجريمة، تتحول الكلمة المكتوبة إلى سلاح أخير للمجتمع، لا تستطيع أى قوة شراء لسانها؛ هنا تكمن قدسية مهنة الصحافة. أما العلاقة الصحية بين الصحافة والسياسة فهى علاقة توتر خلاق؛ الصحافة ليست ناطقا رسميا باسم السلطة، ولا خصما لها، بل هى مراقب نقدى دائم، وعندما تتحول العلاقة بين السلطة والصحافة إلى نوع من «الطرمخة» على الأخطاء أو تجاهلها، تموت الديمقراطية وتتراجع الأخلاق وينتكس المجتمع؛ والعكس صحيح، فالصحافة الناجحة تفرض على السياسة مسئولية أخلاقية، تفوق ما تفرضه عليها استطلاعات الرأى أو الانتخابات؛ فالعدالة التى تتعثر ليست عدالة؛ ومن ثمّ يتمثل دور الصحافة الحرة فى الحفاظ على حرارة الجمرة، ورفع الصوت كلما خفت؛ لتظل سلاحا للمستضعفين، جسرا تعبره الحقيقة، من عالم النخبة المغلق إلى ساحة الرأى العام الواسعة.

إن المجتمع الذى لا يقبل بصحافة قوية مستقلة ومزعجة، يتحول إلى مجرد قبيلة كبيرة تحمى أقطابها، حتى عندما يكونون وحوشا، الفضيحة ليست فى وجود «الوحوش»، بل غياب صحافة قادرة على اصطيادهم بالضمير والحبر والكلمات؛ حتى لا تتعطل أو تنحرف أسلحة السياسة والعدالة والأخلاق، وتلك هى الرسالة الأعمق للصحافة، وهذا هو ثمن بقائها حية!.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية