تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > د. محمد الضويني > الصيامُ وتربيةُ الضمير على تحرى الحلال

الصيامُ وتربيةُ الضمير على تحرى الحلال

إنَّ المتأمِّلَ فى سياقِ آياتِ الصيامِ فى القرآن الكريم يرى نظمًا بديعًا، وتناسبًا دقيقًا، ينتقلُ بالمسلمِ من تربيةِ القلبِ على التقوى إلى حراسةِ المجتمعِ من الظلمِ وأكلِ الحقوق؛ إذ جاءت آياتُ الصيامِ مُنشِئةً لمقامِ المراقبة، ثم أعقبها النهيُ عن أكلِ الأموالِ بالباطل، والتحذيرُ من الإدلاءِ بها إلى الحكام، ليعلمَ المؤمنُ أنَّ ثمرةَ الصيامِ الحقِّ هى استقامةُ السلوكِ، ونزاهةُ الكسبِ، وصيانةُ حقوقِ العباد.

 

ومن هنا كان لا بد من قراءة تربوية لفلسفة هذا النسق القرآنى البديع، قراءة تُبيّن كيف يَصنعُ رمضانُ التقوى فى القلب، ثم يطالبُ بها فى الواقع، حتى يغدوَ الصيامُ عبادةً تُصلحُ الإنسانَ، وتُقيمُ المجتمعَ على ميزانِ العدلِ والحق.

يأتى شهرُ رمضانَ كلَّ عامٍ ليُعيدَ بناءَ الإنسان من الداخل، باعتباره مدرسةً ربانيةً لتزكيةِ النفس وإحياءِ الضمير، فالصيامُ فى جوهره عبادةُ تقوى تُخرِجُ المسلمَ من أسرِ العادة إلى مقامِ المراقبة، وتُدرِّبه على أن يتركَ ما تهواه نفسُه امتثالًا لأمرِ ربِّه. ومن هنا كان الصيامُ أساسًا لتربيةِ الإنسان على تحرّى الحلال، فى مطعمه ومشربه وكسبه.

وقد كشف السياقُ القرآنيُّ فى سورة البقرة عن إعجاز دقيقٍ فى ترتيبِ الآياتِ وتناسبها؛ إذ جاءت آياتُ الصيام متتابعةً لتؤكّد مقصد التقوى، فقال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، ثم بيَّن فضلَ الشهر بقوله: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ»، وذكر أحكامَه وآدابَه، حتى إذا استقرَّ معنى التقوى فى النفوس، أعقب ذلك بقوله: «وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ».

وهذا التعقيبُ ليس انتقالًا عارضًا أو من قبيل المصادفة، بل هو انتقالٌ مقصودٌ فى البناء التربوي؛ فالتقوى التى يُنشئها الصيامُ ليست تقوى الشعائر وحدها، وإنما تقوى الحياة كلِّها. وكأنَّ القرآن يُقرِّر أنَّ من تعلَّمَ فى نهار رمضان أن يتركَ الطعامَ الحلالَ طاعةً لله، كان أولى أن يتركَ المالَ الحرامَ فى كلِّ وقتٍ، لأنَّ الامتناعَ المؤقّت عن الحلالِ تدريبٌ على الامتناعِ الدائم عن الحرام.

وهكذا يتبيَّن أنَّ الصيامَ يُربّى الضميرَ، وأنَّ النهيَ عن أكل الأموال بالباطل هو الاختبارُ العمليُّ لصدق هذه التربية. فالتقوى سلوكٌ يُترجَم فى المعاملة، وورعٌ تصان به حقوق الناس.

وقد أكَّدت السنّة النبوية هذا المعنى حين ربطت بين قَبول العبادة وطيب الكسب، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طيِّبًا»، ثم ذكر الرجلَ يُطيلُ السفرَ أشعثَ أغبرَ يمدُّ يديه إلى السماءِ: يا ربِّ يا ربِّ، ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وغُذِّيَ بالحرام، فأنَّى يُستجابُ لذلك؟».

كما بيَّن أن حقيقة الصيام لا تكتمل مع فساد الأخلاق والسلوك، فقال صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه». فإذا كان الزورُ فى القولِ والعملِ يُنقِصُ من حقيقةِ الصيام، فأكلُ أموالِ الناسِ بالباطلِ أشدُّ خطرًا، وأعظمُ أثرًا فى إفسادِ العبادةِ وإظلامِ القلب.

ومن هنا كان رمضان فرصةً لمراجعة معاملاتنا كما نراجع عباداتنا؛ فكما يحرص المسلم على صحة صيامه، ينبغى أن يحرص على طهارة كسبه، لأن العبادة لا تقبل مع ظلم العباد، ولا يصفو أثر الصيام إذا خالطه أكلُ الحقوق.

وإن التناسب بين آيات الصيام والنهى عن أكل الأموال بالباطل يكشف عن وحدة المنهج القرآنى فى تربية الإنسان: عبادةٌ تُطهّر القلب، وتشريعٌ يحفظ الحقوق، وتقوى تمتد من علاقة العبد بربه إلى علاقته بالناس. فإذا وعى المسلم هذا البناء القرآنى المتكامل، أدرك أن رمضان بدايةُ إصلاحٍ دائمٍ فى الضمير والسلوك، وأن تحرّى الحلال هو الثمرةُ الصادقةُ من صيام الشهر الكريم.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية