تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > د. محمد الضويني > الاعتبارُ بسننِ اللهِ فضيلةٌ خُلُقيةٌ

الاعتبارُ بسننِ اللهِ فضيلةٌ خُلُقيةٌ

تقومُ المجتمعاتُ الإنسانيّةُ فى نهضتِها واستقرارِها على منظومةٍ من القيمِ الأخلاقيّةِ التى تضبطُ السلوكَ الفرديَّ والجماعيَّ، ومن أبرزِ هذه القيمِ فضيلةُ «الاعتبارِ بسننِ اللهِ فى الكونِ والحياةِ»، وأعنى بسننُ اللهِ تعالي: القوانينُ الثابتةُ التى أودعَها فى الوجودِ، وجعلَها حاكمةً لمسيرةِ الأممِ والأفرادِ، وهذه السننُ لا تُحابى ولا تَستثنى أحدًا، وإنّما تجرى على الجميعِ وَفقَ ميزانِ العدلِ والحكمةِ، قال تعالي: «فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا»[فاطر:43].

 

والاعتبارُ بسننِ اللهِ تعالى، يعنى التأمّلَ الواعيَ فى أحداثِ التاريخِ، وتقلباتِ الواقعِ، وربطَ النتائجِ بمقدّماتِها، واستخلاصَ العِبرِ التى تُهذِّبُ السلوكَ وتُقوِّمُ المسارَ.

وقد حثَّ القرآنُ الكريمُ على هذا المعنى فى مواضعَ كثيرةٍ، حيث دعا إلى السيرِ فى الأرضِ، والنظرِ فى مصائرِ الأممِ السابقةِ، وربطِ الحاضرِ بالماضى، لاستخلاصِ الدروسِ والعِبرِ لبناءِ المستقبلِ، قال تعالي: «قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ»[آل عمران:137]، فالآيةُ الكريمةُ لا تدعو إلى مجرّدِ السيرِ، بل إلى الاعتبارِ والاتّعاظِ بما حدثَ للأممِ السابقةِ، لأخذِ الدروسِ التى تمنعُ تَكرار الأخطاءِ، وتُرسِّخُ القيمَ الصحيحةَ فى النفوسِ.

والاعتبارُ بسننِ اللهِ يُعدُّ فضيلةً خُلُقيّةً؛ حيث يُهذِّبُ العقلَ، ويُقوِّمُ السلوكَ، ويُعيدُ الإنسانَ إلى موقعِهِ الصحيحِ من حركةِ الحياةِ والكونِ، كما أنه يُربّى فى النفسِ الصدقَ مع الذاتِ، والشجاعةَ فى مراجعةِ الأخطاءِ، والتواضعَ أمامَ قوانينِ الكونِ، ويُنشئُ فى الفردِ خُلُقَ المسئوليّةِ، ويُبعدُه عن التواكلِ، ويجعلُه أكثرَ وعيًا بعواقبِ أفعالِه وأفعالِ مجتمعِه.

وتتجلّى قيمةُ الاعتبار فى إدراكِ الإنسانِ أنّ النجاحَ والفشلَ، والتقدّمَ والتراجعَ، ليست أمورًا عشوائيّةً، بل نتائجَ طبيعيّةً لأسبابٍ واضحةٍ، كالأخذِ بالعدلِ، والعملِ والجدِّ، والأمانةِ، أو التفريطِ والظلمِ والكسلِ وعدمِ الأخذِ بأسبابِ النصرِ أو السعادةِ، مما يجعلها من أقوى القواعد فى صلاح حالِ الإنسانِ واستقامتهِ، ومن أجدى الأمور نفعًا فى انتظامهِ وسلامتهِ.

ومن هنا تُسهمُ هذه الفضيلةُ الخلقيةُ فى بناءِ مجتمعٍ متّزنٍ، يُحسنُ قراءةَ واقعِه، ويتعلّمُ من تجاربِه، ولا يُكرّرُ أخطاءَ الماضى، ويتوقّفُ عليها نجاح الأفرادِ وتقدم المجتمعاتِ؛ إذ إنَّ الأممَ التى لا تعتبرُ بسننِ اللهِ تعالى تظلُّ تدورُ فى حلقةٍ مفرغةٍ من الأزماتِ، ولا تتعلّمُ من أخطائِها، بينما تنهضُ وترتقى الأممُ التى تَعتبرُ بالأحداثِ، وتُحسنُ الفهمَ والتطبيقَ، فتأخذُ بأسبابِ القوّةِ، وتبتعدُ عن عواملِ الضعفِ والانهيارِ، فالسعيدُ من وُعِظَ بغيرِه، والشقيُّ من اتّعظَ به الناسُ، وبقدرِ حظِّ الأممِ من هذه الفضيلةِ يكونُ حظُّها من البقاءِ والتمكينِ.

وإذا نزلنا بهذا الخُلُقِ إلى واقعِنا المعاصر، وجدنا أنّ كثيرًا من أزماتِنا ناتجةٌ عن تجاهلِ سننِ اللهِ تعالى فى التربيةِ، وفى الاقتصادِ، وفى الإعلامِ، فحين يُهمَلُ العملُ، وينتشرُ التكاسلُ والفسادُ، ويُقصى العقلُ، ثم ننتظرُ صلاحَ الأحوالِ، نكونُ قد خالفنا سننَ اللهِ، وضيّعنا خُلُقَ الاعتبارِ.

وختامًا، فإنّ الاعتبارَ بسننِ اللهِ خُلُقٌ عمليٌّ وسلوكٌ حضاريٌّ، يعكسُ وعيَ الإنسانِ بربِّه وبنفسِه وبالحياةِ من حولِه، وهو قيمةٌ أخلاقيّةٌ عظيمةٌ، متى ترسّخت فى النفوسِ كانت سببًا فى صلاحِ الأفرادِ، ورُقيِّ المجتمعاتِ، وتحقيقِ الخيرِ والاستقرارِ للأمّةِ كلِّها، وإنّ أمتَنا اليومَ، حتّى تتحقّقَ بهذه القيمةِ الخُلُقيّةِ التى تعكسُ وعيَ الإنسانِ بمسئوليّتِه تجاهَ مجتمعِه، وقدرتِه على استخلاصِ الحكمةِ من تجاربِ الماضى لبناءِ الحاضرِ والمستقبلِ، تحتاجُ إلى تحويلِ فضيلةِ الاعتبارِ من وعظٍ صامتٍ إلى منهجِ عملٍ.

وعندما يُبَثُّ هذا الخُلُقُ فى الوعيِ العام للمجتمعِ تتحوّلُ التجارِبُ إلى دروسٍ، والهزائمُ إلى وعيٍ، والنجاحاتُ إلى مسئوليّةٍ، وبذلك يكونُ الإصلاحُ والتقدّمُ والرُّقيُّ ممكنًا، وَفقَ سننٍ لا تُحابى أحدًا، ولكنّها تنصرُ من فهمَها واعتبرَ بها.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية