تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
عالم ما بعد فنزويلا
منذ صدمة العالم غير المسبوقة من الحدث الذى انتهى باعتقال الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو وزوجته فجرًا من غرفة نومهما (السبت 3/1/2026) ونقله إلى الولايات المتحدة ووضعه قيد المحاكمة، والرئيس الأمريكى يتحرك ويصول ويجول وكأنه أضحى «إمبراطور» العالم. الحوادث تتوالى يومًا بعد يوم وتؤكد أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، عازم على فرض احتكار الولايات المتحدة قارة أمريكا اللاتينية دون منازع، واندفع معه وزير خارجيته ماركو روبيو، بتوجيه إنذارات وتهديدات للدول اللاتينية ذات النظم السياسية اليسارية، والتى سبق أن اختارت أن تتمرد على الهيمنة الأمريكية، وتوطد علاقاتها مع الصين وروسيا وإيران وغيرها. ماركو روبيو أكد أن فنزويلا «مجرد بداية» لمخطط إعادة تشكيل المنطقة، وهدد مع رئيسه، كلا من كوبا وكولومبيا والمكسيك، وكل من لديه نية للخروج عن الإرادة الأمريكية.
اللافت أن ترامب لم يكتف بتأكيد عزمه على السيطرة والهيمنة على دول أمريكا اللاتينية، ولكنه وسع طموحه لضم جزيرة «جرينلاند» التابعة لمملكة الدنمارك، العضو فى حلف شمال الأطلسى (الناتو)، ولديه مجموعة من الخيارات للاستحواذ على هذه الجزيرة الدنماركية، منها الغزو العسكرى ومنها الشراء. وأكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن «ترامب يرى فى الاستحواذ أولوية قصوى للأمن القومى الأمريكى، وأمرًا حيويًا لردع الخصوم فى منطقة القطب الشمالى»، فى إشارة ضمنية إلى النشاط الروسى والصينى المتزايد هناك. هنا بالتحديد يجدر التساؤل: إلى أين يتجه النظام العالمى؟ هل أسقطت عملية اعتقال رئيس فنزويلا كل طموحات الصين وروسيا فى وضع نهاية للنظام العالمى، الذى أرادته واشنطن «نظامًا أمريكيًا أحادى القطبية» منذ سقوط الاتحاد السوفيتى وانتهاء الحرب الباردة عام 1991، والعمل على تأسيس نظام عالمى جديد متعدد الأقطاب وأكثر عدالة وديمقراطية؟ وما هى المشاهد الجديدة المحتملة لـ «نظام ما بعد فنزويلا»؟.
القراءة الدقيقة للموقف الأمريكى الراهن، وردود الفعل الصينية والروسية «الباهتة» على العدوان الأمريكى على فنزويلا، وخفوت ردود الفعل الداخلية فى فنزويلا وفى معظم دول أمريكا اللاتينية، التى كان متصورًا أن تثور رفضًا للاندفاعة الأمريكية للسيطرة على مجمل القارة اللاتينية، هذا الخفوت تَكشف مع إعلان الحكومة الفنزويلية (10/1/2026) فى بيان لها أنها: بدأت «مرحلة دبلوماسية استكشافية» مع الولايات المتحدة، «بهدف إرساء حضور دبلوماسى بين البلدين»، ما يعنى القبول الرسمى الفنزويلى بما يحدث والتعايش معه، وفى ظل عزم الرئيس الكولومبى جوستافو بيترو على القيام بزيارة للولايات المتحدة. فالمكالمة الهاتفية التى جرت يوم الأربعاء الماضى بينه وبين الرئيس الأمريكى، كشفت عن ارتياح وترحيب متبادل للقيام بهذه الزيارة من الجانبين الأمريكى والكولومبى.
فى ضوء ذلك يمكننا تصور حدوث ثلاثة مشاهد محتملة للنظام العالمى فى مرحلة ما بعد فنزويلا.
المشهد الأول: تُسقط فيه الولايات المتحدة كل ما كان يُكتب ويُروج له عالميًا عن «أفول العصر الأمريكى»، وتُعلى من شأن الهيمنة الأمريكية على النظام العالمى، وفرض «إمبراطورية عالمية أمريكية». هذا المشهد له ما يدعمه من الأسانيد، من أبرزها تأكيد الرئيس ترامب (الثلاثاء 6/1/2026) أن عملية فنزويلا «أثبتت أن أمريكا هى أقوى قوة عسكرية فى العالم»، وقال فى لقاء مع أعضاء جمهوريين فى الكونجرس الأمريكى: «أثبتت الولايات المتحدة، مرة أخرى، أنها تملك أقوى جيش وأكثرها فتكًا، وأكثرها تطورًا، وأكثرها رعبًا على كوكب الأرض». وإعلانه فى لقاء مع صحيفة نيويورك تايمز (9/1/2026) أن «سلطته، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، لا يقيدها سوى أخلاقه الشخصية»، وأنه «ليس بحاجة إلى القانون الدولى وغيره من القيود التى قد تحد من قدرته على استخدام القوة العسكرية»، وإعلانه أن «نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية قد انتهى».
وفى تأكيد أمريكى على جدية هذا التوجه تعمدت واشنطن كسر كل «الخطوط الحمراء»، وإنزال قواتها على ظهر ناقلة نفط روسية فى عرض المحيط الهادى قبالة فنزويلا، يقال إنها تحمل شحنة نفط فنزويلية، وفرضت سيطرتها عليها بالقوة، رغم التحذيرات الروسية.
المشهد الثانى: أن ترفض الصين وروسيا القبول بهذا الأمر الواقع، وأن تتجه إلى شن سياسة مضادة، تجبر الولايات المتحدة على التراجع. حتى الآن ليست هناك مؤشرات قوية لذلك، رغم تصعيد التهديدات الأمريكية لإيران بالتدخل العسكرى، بذريعة «حماية المتظاهرين»، ما يعنى أن واشنطن لن تكتفى بفرض «مبدأ مونرو» الاحتكارى على أمريكا اللاتينية وحدها، ولكنها «قد تتجه إلى عولمته»، خاصة فى إقليم الشرق الأوسط. المؤشر الوحيد الذى ربما يحمل بعض نوايا التحدى، تلك المناورة التى تستضيفها جنوب إفريقيا الآن فى أهم قواعدها البحرية (9 - 16/1/2026) بقيادة الصين ومشاركة إيران ودول أخرى من «تجمع بريكس» مع طموح لانضمام روسيا إلى هذه المناورة.
اللافت هنا أن مقاومة العدوانية الأمريكية الجديدة، ربما تقودها أوروبا، رفضًا للإصرار الأمريكى على الاستحواذ على جزيرة جرينلاند الدنماركية. فالرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون تجرأ فى التمرد على ما سماه «العدوانية الاستعمارية الجديدة» لواشنطن، أما الرئيس الألمانى فرانك فالتر شتاينماير فقد كان أكثر حدة للسياسة الأمريكية، وحث العالم على «عدم السماح للنظام العالمى أن ينحدر ليتحول إلى (وكر لصوص) يأخذ فيه عديمو الضمير ما يريدون»، على حد وصفه.
المشهد الثالث: أن تقبل الولايات المتحدة أن تعيد التجديد للنظام العالمى الذى كان قد ساد فى القرن التاسع عشر، الذى تنافست فيه حفنة من الإمبراطوريات الأوروبية على المجالات والموارد الاقتصادية والسيطرة الإقليمية، على حد تقدير «مايكل بيرنز» المدير المشارك لبرنامج برادى جونسون فى الاستراتيجية الكبرى، والمحاضر فى الشئون العالمية بجامعة ييل، فى دراسة نشرتها مجلة «فورين أفييرز» الأمريكية.
أهم معالم هذا المشهد هو «اقتسام الغنائم» و «تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ» بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، ولعل هذا ما يفسر «بهوت» الردود الصينية والروسية على العدوان الأمريكى على فنزويلا، بحيث تحتكر الولايات المتحدة قارة أمريكا اللاتينية، وتأخذ روسيا أوكرانيا وتفرض «سلامًا روسيًا» على القارة الأوروبية، وتحتكر الصين تايوان وتوسع نفوذها فى جوارها الإقليمى بجنوب شرق آسيا.
مشاهد شديدة السوء بكل المعانى، ولا يبقى إلا أن تعود الشعوب إلى رشدها وكرامتها، وترفض أن تكون متاعًا يباع أو يورث، وهذا هو تحدى المستقبل.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية