تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > د. عبدالعليم محمد > خطر التهجير قائم رغم خطة «ترامب»!

خطر التهجير قائم رغم خطة «ترامب»!

لم تكن نشأة دولة إسرائيل فى عام 1948، والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية إلا مجرد مرحلة من تطور المشروع الصهيونى؛ أما المرحلة الثانية فقد تمثلت بعدوان إسرائيل فى عام 1967 واحتلالها بقية أراضي فلسطين التاريخية وبدء الاستيطان فيها، أما المرحلة الثالثة وهى المرحلة التى بدأت بسيطرة اليمين الدينى والقومي المتطرف على الحكم فى انتخابات عام 2022 فهى تمثل استكمال المشروع الصهيونى بفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية أو على الأقل المناطق ب، وج واللتين تمثلان 82% من مساحة الضفة الغربية وذلك ضمن الخطة المعروفة بخطة «الحسم للصهيونية الدينية» والتى ترى أن إسرائيل كانت مخطئة عندما تصورت أن مسار أوسلو قد يفضى إلى دولة فلسطينية، الآن أى مع صعود اليمين المتطرف ووفقا لهذه الخطة يجب الحسم أى تصفية القضية الفلسطينية وشطب الدولة الفلسطينية من جدول الأعمال الإسرائيلى والعربى والدولى.

 

وبالرغم من خطة ترامب وتطبيق المرحلة الأولى منها منذ أكتوبر الماضي والتحضير لبدء المرحلة الثانية، فإن الهدف الاستراتيجي الإسرائيلى فى تهجير الفلسطينيين أولًا من غزة ثم بعد ذلك من الضفة الغربية، لم يغادر مخيلة النخبة اليمينية المريضة ولم يطرأ عليه أى تغير؛ فقط توارى عن الإعلام مع استمرار العمل عليه ومن أجل انجاز هذا الهدف، تستثمر إسرائيل الأفكار الغريبة التى طرحها «ترامب» حول «ريفييرا الشرق الأوسط» أو امتلاك غزة وإقامة منطقة سياحية مزدهرة وذكية وأخيرا مشروع «شروق الشمس» لإعمار غزة وهى كلها أفكار ومشروعات تبطن التهجير تحت مسميات مختلفة، كما أن ترامب قد أعلن دعمه ما تسميه إسرائيل «بالخروج الطوعي» فى لقائه الأخير مع نيتانياهو.

بالرغم من القبول الإسرائيلى الرسمى لخطة «ترامب» وتراجع ترامب الظاهري عن أفكاره بعد الرفض العربي والدولى الواسع، فإن التوافق فيما يبدو قائم حتى الآن حول تحقيق الهدف الاستراتيجي الإسرائيلى وتهجير الغزيين وإن بطرق أكثر تعقيدا أو أقل علانية مما كان عليه فى السابق، وإن كانت جميع هذه الطرق الأكثر تعقيدا أو الأقل تعقيدا تفضي إلى تحقيق الهدف ذاته.

أول المؤشرات التى تذكي هذه النتيجة أى تحقيق الهدف الإسرائيلى أو السير فى هذا الاتجاه؛ هو تجاهل البند رقم (12) من خطة ترامب والذى ينص على «أنه لن نجبر أحدا على مغادرة غزة وأولئك الذين يرغبون فى مغادرتها سيكونون أحرارا فى العودة إليها، سنشجع الناس على البقاء ونوفر لهم الفرصة لبناء غزة أفضل»؛ ثم تجاهل هذا البند فى التطبيق بأساليب مختلفة؛ من بينها المماطلة والتعنت فى إدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية من جانب إسرائيل لا وفق تفاهمات يناير 2025 ولا وفق اتفاق وقف إطلاق النار ولا وفق احتياجات سكان غزة المتنامية، حيث تشير أغلب التقارير إلى أن ما يدخل غزة من مساعدات لا يزيد على 140 شاحنة يوميا أى ما يقرب من ربع المتفق عليه، بل والأكثر من ذلك أن المعدات والأدوات واللوجستيات الضرورية للإيواء من خيام ومنازل جاهزة لم تعرف الطريق بعد إلى غزة، يشهد على ذلك معاناة سكان القطاع من المنخفضات الجوية وغرق خيامهم وأغطيتهم بمياه الأمطار وتفاقم المأساة.

من ناحية أخرى فإن النص على «عدم إجبار أحد على المغادرة» لا يعني بالضرورة امتناع الاحتلال أو سلطاته عن إجبار المواطنين على المغادرة ومن ثم تنتفى جريمة التطهير العرقى؛ ذلك أن عدم القيام بتوفير بيئة آمنة للمواطنين وتوفير ظروف معيشية إنسانية تشبع الحاجات الأساسية لهم فى المأوى والحماية من أخطار الطبيعة، إن من قبل سلطات الاحتلال أو من المجتمع الدولي الذي قبل هذه الخطة هو فى حد ذاته جريمة، وفقا للقانون الدولي الإنساني الذى لا يجرم فحسب قيام الاحتلال بالتطهير العرقي ونقل السكان بل حمل السكان على الهجرة بسبب عدم توفير الحاجات الإنسانية المناسبة للحياة والمعيشة وخلق بيئة طاردة لهم واعتبار ذلك جريمة أيضا.

كل الممارسات والانتهاكات الإسرائيلية منذ قبول خطة ترامب «وبعد تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار تشير إلى أن إسرائيل ماضية فى تنفيذ مخطط التهجير من خلال استمرار العدوان والقتل واستهداف المدنيين وتحميل المدرعات بالمتفجرات لاقتحام الأحياء والمنازل وتقليص المساعدات الإغاثية أو تعليق عمل أو تراخيص المنظمات الحكومية والأهلية ووقف أنشطتها الإنسانية وكذلك الأمر فى الضفة الغربية هدم المنازل وإخلاء المخيمات وما دون ذلك من سياسات استيطانية وهجمات المستوطنين، ولا شك فى أن اعتراف إسرائيل «بأرض الصومال» يندرج فى إطار خطة التهجير رغم النفى.

ترتكز السياسات الإسرائيلية فى تحقيق هذا الهدف أى تهجير الفلسطينيين «أو أراض أكثر وفلسطينيين أقل، إلى حقيقتين باتتا واضحتين أولاهما أن إسرائيل ترفض جهارا نهارا ومرارا وتكرارا قيام دولة فلسطينية فى الضفة الغربية والقدس وغزة بل تعمل على ضم هذه الأراضي صراحة ودون مواربة، أما ثانيتهما فإن إسرائيل ومنذ عدة سنوات تواجه تشكل أغلبية فلسطينية فى أرض فلسطين التاريخية تخضعها لنظام فصل عنصري لن يقدر له الاستمرار، ومن ثم فإسرائيل لا تجد سوى قتل الفلسطينيين أو إبادتهم أو تهجيرهم حتى تحقق أغلبية يهودية.

خطر التهجير القائم يتطلب مقاربة عربية أكثر تفهما وأكثر حسما تستلزم الإدانة السياسية والقانونية والدبلوماسية لهذه الجريمة وإشراك القضاء الدولي لإلزام إسرائيل وقف هذه الانتهاكات وبناء حلف دولي داعم للحقوق الفلسطينية المشروعة فى الدولة والاستقلال والقدس ومناشدة المجتمع الدولي مقاطعة إسرائيل وحظر تصدير الأسلحة إليها ومنعها من استمرار إبادة الشعب الفلسطينى والتصدي لها بكل ما يملك المجتمع الدولي من قوة قانونية وأدبية وسياسية، ولا شك أن صمت المجتمع الدولي على هذه الجريمة يحفز إسرائيل على استمرارها والإفلات من العقاب.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية