تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > د. سماء سليمان > الدبلوماسية المصرية وأمن الخليج

الدبلوماسية المصرية وأمن الخليج

ليست الدبلوماسية دائمًا ما يُقال على المنابر أو ما يُصاغ فى البيانات الرسمية، فثمة وجه آخر أكثر هدوءًا وأعمق تأثيرًا يتحرك بعيدًا عن الأضواء. وفى الحالة المصرية، يتكامل المساران؛ المعلن وغير المعلن، ليشكلا معًا نمطًا خاصًا من العمل السياسى يهدف إلى حماية الاستقرار الإقليمي، وفى القلب منه أمن الخليج العربي. فالقاهرة تنظر إلى أمن هذه المنطقة بوصفه امتدادًا مباشرًا للأمن القومى المصري، لا مجرد ملف خارجى ضمن ملفات السياسة الإقليمية، وذلك بحكم الترابط الجغرافى والاقتصادى والسياسى الذى تشكل عبر عقود طويلة بين مصر ودول الخليج.

 

هذا الإدراك الاستراتيجى يفسر ثبات الموقف المصرى تجاه أمن الخليج رغم التحولات الكبيرة التى شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. وقد أعاد الرئيس عبد الفتاح السيسى تأكيد هذه الحقيقة خلال إفطار الأسرة المصرية فى 14 مارس 2026، حين شدد على أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمن مصر، وأن استقرار الدول العربية يمثل أولوية راسخة فى السياسة المصرية. كما أشار إلى أن المنطقة تمر بمرحلة دقيقة تتطلب قدرًا كبيرًا من الحكمة السياسية، مؤكدًا أن التهدئة والحوار يظلان الطريق الأكثر واقعية لتجنب صراعات جديدة قد تدفع شعوب المنطقة ثمنها الباهظ.

غير أن قوة الدور المصرى فى هذا الملف لا تتجلى فقط فى وضوح الموقف السياسي، بل فى القدرة على إدارة شبكة معقدة من العلاقات الإقليمية المتباينة. فدول الخليج نفسها ليست كتلة سياسية متجانسة، بل تضم رؤى مختلفة فى التعامل مع قضايا المنطقة، خاصة ما يتعلق بالعلاقة مع إيران ومستقبل التوازنات الأمنية فى الشرق الأوسط. فبينما تميل بعض الدول إلى سياسات التهدئة والانفتاح الدبلوماسي، ترى دول أخرى أن الردع يمثل الخيار الأكثر أمانًا لحماية مصالحها. وفى ظل هذه التباينات، يبرز الدور المصرى بوصفه عامل توازن قادرًا على استيعاب الاختلافات دون أن يسمح لها بإضعاف منظومة العلاقات المشتركة.

وتستند هذه القدرة إلى خبرة تاريخية طويلة فى إدارة التوازنات العربية، حيث تحافظ القاهرة على علاقات مستقرة ومتوازنة مع مختلف العواصم الخليجية، دون أن تنخرط فى الخلافات البينية أو تتحول إلى طرف فى تنافساتها. وقد منح هذا النهج مصر قدرًا كبيرًا من الثقة لدى مختلف الأطراف، وجعلها قادرة على أداء دور الجسر الذى يربط بين المواقف المختلفة بدلًا من تعميق الفجوات بينها. وفى أوقات الأزمات تحديدًا، تزداد أهمية هذا الدور، إذ تصبح الدول التى تحتفظ بقنوات اتصال مفتوحة مع الجميع أكثر قدرة على الإسهام فى تهدئة التوترات ومنع انزلاقها إلى صراعات مفتوحة.

وقد ظهرت أهمية هذا الدور بوضوح مع التصعيد الإقليمى الذى بدأ فى 28 فبراير 2026 على خلفية الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، حين دخلت المنطقة مرحلة حساسة من التصعيد العسكري. فمثل هذه المواجهات لا تبقى محصورة بين أطرافها المباشرين، بل تمتد آثارها سريعًا إلى دول الخليج وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية. ومن هنا تحركت القاهرة على مسارين متوازيين؛ الأول معلن عبر الدعوة إلى التهدئة ورفض توسيع دائرة الصراع، والثانى أكثر هدوءًا من خلال اتصالات دبلوماسية مكثفة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.

وفى هذا السياق دعمت مصر الجهود الرامية إلى استمرار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران باعتبارها المسار الأكثر عقلانية لتجنب اتساع نطاق الحرب. فالقاهرة تدرك أن أى مواجهة واسعة فى الخليج لن تكون أزمة إقليمية فحسب، بل ستترك آثارًا عميقة على الاقتصاد العالمى وأمن الطاقة واستقرار التجارة الدولية، فضلًا عن تأثيرها المباشر على الأمن العربي. ولذلك كان الهدف الأساسى للتحرك المصرى هو الحفاظ على مساحة للحوار ومنع انهيار المسارات الدبلوماسية التى قد تفتح الباب أمام حلول سياسية للأزمة.

وتعكس هذه المقاربة ما يمكن وصفه بسياسة التوازن الاستراتيجى التى تتبناها مصر فى علاقاتها الخارجية. فالقاهرة تحافظ على شراكاتها التقليدية مع القوى الدولية الكبري، وفى الوقت نفسه تحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف القوى الإقليمية. وهذه السياسة لا تعنى الحياد بقدر ما تعكس فهمًا عميقًا لتعقيدات المنطقة، حيث يصبح الحفاظ على القدرة على التواصل مع جميع الأطراف عنصرًا أساسيًا فى إدارة الأزمات. كما أن هذا التوازن يمنح القاهرة مساحة حركة واسعة تسمح لها بدعم أمن الخليج من جهة، والعمل فى الوقت ذاته على تقليل احتمالات المواجهة العسكرية فى المنطقة. فالدبلوماسية المصرية تدرك أن أمن الخليج لا يتحقق فقط عبر الترتيبات العسكرية أو التحالفات الأمنية، بل أيضًا من خلال بناء مناخ إقليمى أقل توترًا وأكثر قابلية للحوار. ومن هنا تتكامل التحركات العلنية مع الجهود غير المعلنة التى تهدف إلى تقريب وجهات النظر وتخفيف حدة الاستقطاب والسعى إلى وقف الحرب.

وفى هذا السياق يمكن فهم الدعم المصرى لأمن الخليج بوصفه جزءًا من رؤية أوسع للحفاظ على التوازن فى الشرق الأوسط. فبدلًا من الانخراط فى صراعات المحاور، تسعى القاهرة إلى بناء مساحات مشتركة تسمح بإدارة الخلافات دون أن تتحول إلى مواجهات مفتوحة. وهى رؤية تقوم على قناعة بأن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الحروب، بل إلى قدر أكبر من الحكمة السياسية والقدرة على استيعاب الاختلافات.

وهكذا، بين التصريحات الواضحة والتحركات الدبلوماسية الهادئة، تواصل مصر أداء دورها كأحد أهم عوامل الاستقرار فى محيطها العربي. فالدبلوماسية المصرية لا تكتفى بالتعبير عن التضامن مع دول الخليج، بل تعمل على ترجمة هذا التضامن إلى سياسات عملية تهدف إلى منع اتساع نطاق الصراع أو دفع الدول الخليجية إلى الانخراط فيه، والحفاظ على توازن إقليمى دقيق يظل فيه الحوار ممكنًا حتى فى أكثر اللحظات توترًا.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية