تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
أمريكا وحرب إيران.. فرط قوة وترهل استراتيجى
فى العام 1991، قدر لى أن أشارك فى أحد البرامج التى تنظمها وزارة الخارجية الامريكية، لعدد من الباحثين من دول العالم المختلفة، تضمنت زيارات لعدد من المرافق العسكرية وأخرى مدنية ومراكز بحوث شهيرة، بعضها يتم تمويله من قبل شركات السلاح الكبرى، تعمل على ترويج مقولات تفيد بتعرض أمريكا لمخاطر جمة، تتطلب صنع أسلحة حديثة بشكل دائم للجيش الأمريكى لمواجهة تلك المخاطر المزعومة. كانت خبرة حرب تحرير الكويت طاغية على تلك الفاعليات، حيث دارت معظم الحوارات حول "التحليل الاستراتيجى فى ضوء خبرة الولايات المتحدة فى حرب تحرير الكويت"، وكيف تخطط لحرب ناجحة فى مستوياتها الثلاثة؛ الاستراتيجية التى تحدد الهدف بدقة بناء على تقييمات استخباراتية دقيقة، والعملياتية التى تُعنى بإعداد الموارد العسكرية والمدنية والدعائية التى تناسب الهدف الرئيس لخطة الحرب. وثالثا التكتيكية التى تُعنى بكيفية إدارة العمليات على الأرض، والتنسيق بين أفرع القوات المختلفة، والاستعداد المسبق لمفاجآت قد تتطلب تغييرا بسيطا او جوهريا وفق للمجريات الفعلية.
فى تلك الحوارات كانت مداخلات كبار العسكريين وشروحاتهم تدل على خبرات كبرى تمزج بين النظريات التى تُستمد من تجارب فعلية، يتم تأطيرها فى صورة قواعد صارمة، تُبنى عليها برامج إعداد القوات كل فى مجاله، ومتابعة الوقائع على الأرض، وسبل تحقيق الهدف الأبعد بأقل ثمن ممكن، وفى الوقت ذاته تحقيق النصر المؤكد دون مواراة أو ادعاء على غير الواقع.
حين أتذكر تلك الحوارات المهنية الرصينة التى نشرت بعضها فى حينه، واتابع كيفية إدارة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يمكن للمرء ببساطة ودون إجهاد اكتشاف أن كل الخبرات المتراكمة لدى العسكرية الامريكية قد ضلت طريقها، مع الأخذ فى الاعتبار ان قرار الحرب وتحديد هدفها الرئيسى هو قرار سياسى بالدرجة الأولى وليس قرارا عسكريا، وأن العسكريين يتولون تنفيذ الامر بالحرب وفقا لما يقره المستوى السياسى وفق الأعراف القانونية. وفى حالة الحرب على إيران يبدو وفقا لتطورات العدوان خلال الأسابيع الثلاثة الماضية أنها حرب بلا هدف محدد وواضح، إذ يتغير الهدف بين ساعة وأخرى، ولذا تتغير التطبيقات على الأرض. بدأ الأمر بهدف إسقاط النظام والقضاء على نخبته الحاكمة، ثم تدمير قدراته النووية والعسكرية ثم صناعاته الصاروخية، ثم تدمير موارده المدنية، ثم ترك الشعب الإيرانى يبحث عن سبيل لإسقاط النظام بيده لاحقا، ثم هدف بقاء مضيق هرمز مفتوحا بدون منغصات إيرانية، ثم الطلب من المستفيدين من النفط أن يقوموا بحماية نفطهم، وقد تساعدهم أمريكا حسب الظروف. وفى كل تلك الأهداف المتحولة، يُستخدم اصطلاح "تغيير الشرق الأوسط" باعتباره الطريق لبقاء إسرائيل كقوة مهيمنة على الشرق الجديد، وهو الهدف الذى تأكد سقوطه جملة وتفصلا، فكيف لقوة تدعى الهيمنة على دول وازنة فى الإقليم وذات تأثير قوى لا يغيب، وهى فاقدة القدرة على حماية نفسها، تتساقط عليها الصواريخ الباليستية بعد أن تم تحييد قدراتها الدفاعية، ووصلت إلى قلب تل أبيب وحولته إلى رماد يحاكى رماد غزة، فضلا عن استهداف مباشر لقواعد عسكرية ومناطق حساسة ومقار للموساد ومطارات مدنية وعسكرية، ومصافى نفط وغاز فى حيفا، وأخيرا بالقرب من مفاعل ديمونة النووى، الأمر الذى دفع السلطات إلى وقف العملية التعليمية فى جميع انحاء البلاد، ما يشير الى احتمال أو ربما التحسب لتسرب اشعاعات ولو فى مستويات دنيا. باختصار انها حرب هوجاء دافعها الانتقام والتدمير، وخلق الفوضى فى الإقليم ككل.
الجانب الأخطر يكمن فى ان التنسيق بين نخبتى الحكم فى واشنطن وتل ابيب يستند على قناعات توراتية مقرونة بحالة تضخم ذاتى مَرضى لا سقف لها، عبر عنها وزير الحرب الامريكى، واصفا الحرب انها لا تعرف الفرق بين سنة وشيعة، وهى بلا قواعد، وأنها حرب دينية لتحقيق إرادة إلهية، أبُلغ بها الجنود ليكونوا أكثر حماسا فيما يُطلب منهم من تدمير وسحق للبشر والموارد. أى أنها حرب صفرية، ينتصر أحدهم ويفنى أخر.
لقد أكد الرئيس ترامب انه تم تدمير كل القدرات العسكرية والاقتصادية لإيران، ما يجعلها فى وضع طلب الاستسلام، وهو ما لم يحدث، وبدون التهوين من حجم الخسائر الهائلة التى تعرضت لها إيران فعليا، وسوف يكون لها تأثير كبير على وضعية النظام حين يتوقف الاعتداء، وتبدأ مساومات المفاوضات التى ظهرت مقدماتها جزئيا، بعد أن وصلت صواريخ إيران الباليستية إلى قاعدة دييجو جارسيا البريطانية فى المحيط الهندى، والتى تقع على مسافة أربعة آلاف كم من الساحل الإيرانى، ووصلت صواريخ أخرى إلى مسافة محدودة من مفاعل ديمونه النووى بكل ما يعنيه ذلك من مخاطر بيئية وصحية لا حدود لها فى الداخل الإسرائيلى كله، وفى مساحات أخرى فى الإقليم.
بالقطع فإن المفاوضات التى سوف تفرض نفسها عاجلا، بدوافع أمريكية بالدرجة الأولى بعد فشل اسقاط النظام، سوف تشهد صراع إرادات، وراءها جهود جبارة تقوم بها دول وازنة فى الإقليم، أبرزها مصر بالتنسيق مع أشقاء فى السعودية وقطر والامارات وعُمان وتركيا، تستهدف وقف تلك الحرب العبثية، والحفاظ على قدرات الخليج الاقتصادية، ومحاصرة الفوضى التى تعمل إسرائيل على نشرها فى الشرق الأوسط كله، وإلزام إيران بسياسات حُسن الجوار وفق ميثاق الأمم المتحدة، وفرض بيئة أمنية متوازنة تحقق مصالح الدول والشعوب الأصيلة فى الإقليم، وليست الدول فاقدة الجذور. لقد اثبتت الحرب على إيران، أن امتلاك قوة عسكرية مفرطة بدون رؤية استراتيجية وأهداف واضحة، وتجاهل قدرات الخصم الشاملة، وموارد مناسبة للمهام المطلوب تحقيقها، ومهما حققت تلك القوة المفرطة من تدمير وفساد وقتل، إلا أنها تظل عاجزة عن كسر إرادة الشعوب الأصيلة.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية