تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

مؤلم فراقك يا أمي

"رحلت أمي", كلمتان تشكلان عنوانا مؤلما يصلح لأن يتصدر صفحة من حياتك ربما تكون الأصعب على الإطلاق, عنوان بلغة الصحافة لا تختلف كتابته "بالبنط العريض" أو بأي "بنط" فتلك كلمتان عريضتان بطبعهما لا حاجة لهما ل "البنط" فأيا ما تكتبان هما عريضتان ثقيلتان غامقتان وأيان تلمحان ستؤلمان وتوجعان حتما.

في الليلة الثامنة والعشرين من شهر رمضان المبارك اختارت أمي الانسحاب ولا أقول الموت, فلم تبد أي مقدمات موت كتلك التي نعرفها, لم تمرض أوتعاني أعراض مقلقة تستوجب معها استدعاء الطبيب, كان يومها رمضانيا عاديا لا اختلاف فيه, وقبيل فجر تلك الليلة طلبت من أخي الأصغر أن يأت لها بكوب من الماء وبعض الشاي وقد كان لها ما طلبت,واستأذنها ليذهب إلى نومه وسألها هل ترغب في أي شيء آخر قالت له لا, وماهي إلا دقائق وطلبت من زوجته أن تناديه وقالت لها قولي له تعالى لإن "أمك هاتموت",هرع أخي من غرفته ليقول لها ما هذا المزاح الثقيل على آخر الليل يا أمي؟! وحين وصل إليها وجدها قد فارقت الحياة, لم تنتظر تلك الثوان ما بين غرفته وغرفتها, كأنها عند الرحيل كانت تعلن ولا تقترح هل ترحل سريعا أم تنتظر السلامات.

كانت أمي إمراة من زمن الحكايات والحكم والأمثال, لم تنل قدرا كافيا من التعليم, لكنها كانت تملك حكمة الدنيا, كانت متواصلة مع كل الناس وكل الطبقات والمستويات وكل الثقافات, بسيطة في لغتها, عميقة في معانيها وتراكيبها اللغوية المخلقة من البيئة والظروف, لديها نسخ منها في كل الأماكن, لديها الحلول, تجيد التفاوض, تحب البناء, حياتها مُفعمة بالكفاح وقصص تُروى بفخر واعتزاز, لا تعرف الاستسلام, قوية صامدة، في مواجهة الصعاب التي مرت في حياتها.

في مراسم الجنازة كان لكل شخص من جيرانها قصة, أمي طرف فيها, تتدخل بالنصح والإرشاد وفي أبسط الحالات تتابع بالسؤال والاطمئنان, جيرانها غير مستوعبين هذا الرحيل الأقرب إلى المغامرة غير المحسوبة من جانبنا وجانبهم نحن الأحياء الذين أوجعهم هذا الانسحاب المؤلم كفراق, لكنها حتما حسابات القدر, فلكل أجل كتاب ولكل قصة على حلاوتها و ما بها من شجن نهاية ربما تكون غير متوقعة.  

وأنا أودع أمي إلى مثواها الأخير في نهار رمضان, وفي مراسم التشييع نحو المقابر, الخطى تتثاقل نحو التراب, كل الذكريات كانت تمر أمام عيني في شريط متصل منذ بدأت أخزن في صندوق الذكريات, كنت أبحث عن أمي في كل مشهد من الطفولة للصبا للشباب للنضج, في كل ركن هناك أمي, لكنها الآن ما عادت هناك.

عداد العمر يطل برأسه عابثا غاضبا, يقول لي: "لقد خلى منك ضامنك ", "إعمل حسابك العد من هنا ورايح سيختلف ", كنت أسمع دائما عن مقولة أن أمك لو على قيد الحياة فأنت لا تزال بعد صغيرا, أيا كان عمرك, فلطالما لديك أم فالعمر لطيف ومقبول, أما وقد ماتت أمك, فقد كبرت, الحسابات ستختلف, لا توجد مجاملات من الآن فصاعدا, فقد ماتت من كنا نراك صغيرا بجانبها, من كنت تختبيء في عمرها وتقترض منه حيث شئت وهي الضامن الذي لا يبخل عليك, فى حضرة أمي كنت أشعر دوما أنني أملك آداة ضغط ليس على عداد العمر فحسب ولكن على الدنيا كلها, كنت أتفاوض مع مواقفي وكنت دائما أربح في النهاية, الآن اختلف كل شيء 

نعم ليس هناك أدني شك في حقيقة أننا نحيا ونقوى بأمهاتنا, مهما حاولنا أن نبدو أقوياء بانفسنا, ومهما أعتقد الإنسان أنه قوي بعقله وقدراته وعلمه وخبراته وأنه يديرحياته على أفضل طريقة, فكل هذا لايساوي شيء أمام لحظة طمأنينة توجدها الأم  

نصحني صديقي وأنا في طريقي لوداع أمي في فجر ذلك اليوم المشهود أن ألقي على جثمانها نظرة أخيرة قبل أن تفارق للأبد, فقلت له قد لا أقوى على ذلك, فقال لي إفعل حتى لا تندم لاحقا, تماسكت وفعلت وفي مشهد هوالأخير كشفت الغطاء عن وجهها وجدت وجها مبتسما مضيئا قبلت جبينها وقلت مع السلامة يا أمي, [تحملت كثيرا يا أمي وعاركت كثيرا في هذه الحياة, لم يزورك المرض يوما, بيد أن الموت الذي مهما حاولنا الفرار منه أدركك, ليكتب النهاية, ففي رحمة الله يا أمي, عليك السلام.  
 

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية