تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > د. حسام عطا > الطريقة المصرية السرية للصفاء النفسي...قراءة في الإغلاق المبكر

الطريقة المصرية السرية للصفاء النفسي...قراءة في الإغلاق المبكر

تبقى سلوكيات الجماعة البشرية ذات طابع موروث ومتجدد في كل زمان ومكان بلا شك، ومصر التي نحب جميعا أن نتأملها لأنها أهم ما يمكن أن يشغل اهتمام الفنان والكاتب لها خصوصية متفردة في السلوك العام.

إنها القاهرة حاضرة الدنيا وبستان العالم كما وصفها ابن خلدون، وفي كتابه التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا، وصف المصريين وصفاً مدهشاً مثيراً كزيارته لمصر وإقامته فيها في نهاية القرن الثامن الهجري في ظل إدارة المماليك لها، وقال قولته الشهيرة عن أهل القاهرة وامتدادها في المدن الكبرى:

"إن أهل مصر يبدون كمن فرغوا من يوم الحساب".

لاحظ ذلك في جلساتهم على الفرش البسيط أمام البيوت والحوانيت في فترة ما بين العصر والمغرب بعد قرب انتهاء يوم العمل، ولاحظ ذلك أمام الحوانيت وفي عدد من الطرقات".

وقد شهدت مصر آنذاك أحداثاً جساماً، إلا أن طمأنينة أهل مصر غلبت كل التوتر وأي تهديد ممكن.

ولا زالت مصر تفعل ذلك، إذ يمكن ملاحظة الاطمئنان التام وانتظام الحياة اليومية في مصر رغم كل التوترات والتهديدات والنيران المشتعلة حولها في كل مكان، إلى أن جاءت اتفاقية وقف إطلاق النيران، التي تم استقبالها أيضاً استقبالاً سعيداً، مع استمرار الاهتمام بتفاصيل الحياة اليومية، والتركيز نحو توفير أوقات للفراغ يسعدون فيها معاً بجلسات الائتناس بالجماعة المصرية الشعبية.

إنه إذن سلوك مصري شعبي بامتياز، إنه التصرف بشكل مطمئن في أوقات الفراغ وكأننا قد فرغنا من يوم الحساب، وليس لدينا ما يشغلنا وما أجملنا عندما نبدو وكأننا لا نلوي على شيء أثناء السهر الليلي في الميادين وأمام المنازل وتجمعات الأسر أمام البيوت، سهر بعيد عن المقاهي والمحال العامة سهر اعتيادي ممتع لا يريد أن ينام مع مواعيد الإغلاق الجديدة.

لاحظت ذلك بشكل متواتر إذ إن حاجة المصريين للاجتماع تبقى حاجة أساسية انتظاراً للتمتع المطمئن بأوقات الفراغ، ويأتي ذلك السلوك التاريخي المتوارث معتمداً على أنماط عديدة من المحفزات والاستجابات.

إنه الوعي بالتمتع بهذا الفراغ المطمئن، وفي هذا الاجتماع البشري يذهب الفرد كي يلبي طلباً من المسارات العصبية القديمة، وفي هذا تفسير يقدمه علم الأعصاب الثقافي للسلوك الجماعي باعتباره معبرا ًعن ثقافة خاصة لجماعة بعينها.

ورغم أن حاجة البشر جميعهم للتجمع والمشاركة ركيزة أساسية في حركة المجتمعات، فإن تلك الحاجة للتجمع بهذا الطابع المختلف في مصر تأتي معبرة عن ثقافة من الراحة والاطمئنان القادمة عبر إيمان عميق بالقضاء والقدر وعبر ثقة في تشاركية الجماعة الشعبية المصرية.

وفي هذا الاجتماع الليلي الذي كان يبدأ عصراً ولا يزال في قرى مصر العامرة لا يسهر كثيراً، وبات في القاهرة والإسكندرية وحواضر مصر المتعددة يبدأ متأخراً قليلاً في ذات الميعاد الذي يذهب فيه للنوم كل من لديهم ما يشغلهم في الصباح الباكر، ولا يعتادون على السهر.

لأن هذا التجمع يُحدث راحة خاصة للعقل، إذ يبتعد في حضور الآخر عن التشتت والغرق في الأفكار الجادة الذاتية، ما يساهم في خفض التوتر وتعميق قدرا من الهدوء النفسي، ومع تكرار الأمر يصبح طريقة لتنظيم عمل الجهاز العصبي يومياً.

ويأتي هذا التكرار الواعي ليساهم في قدرة الفرد على إعادة تعريف نفسه من خلال أدوار اجتماعية جديدة ومتجددة، تسمح بمرونة في تعيين هوية الذات بالتفاعل مع هويات أخرى صديقة ومحبة معاً، مما يساهم في إعادة تهدئة الدماغ البشري المصري عبر تلك الممارسة اليومية البسيطة، كما أن البوح للأصدقاء والحكي التفصيلي عن المشاعر وتفاصيل اليوم ومشاركتها مع الآخرين هي بلا شك نوع من الحكي الحر الطليق الذي يؤدي إلى التعامل المباشر مع المشاعر، بدلاً من مقاومة الشعور بها، مما يؤدي إلى التخلص من التوتر بدلاً من تخزينه، مما يعزز الصفاء الذهني.

ومع تكرار تلك اللقاءات التي لا يشغلها إلا الحديث عن التفاصيل الصغيرة، وهو حوار يساهم في ترتيب الوعي بها ويعزز من إدراكها، مما يخلق راحة إنسانية ليست ناتجة عن تغيير الواقع بل عن طريق تحسين إدراك هذا الواقع، وهو الإدراك المصري المختلف الذي يمنح المصريين هذا الشعور بالراحة والتمتع بأوقات الفراغ وكأنهم قد فرغوا من يوم الحساب.

ولذلك ورغم أن القراءة الأولى لتلك التجمعات تبدو قراءة مندهشة لهذا الإصرار على التجمع رغم الإغلاق، ولكن تأملها حقاً يؤكد أن هذا التجمع الذي يعزز الإدراك ويساهم في خفض توتر الأفراد هو جزء من طبيعة الجماعة الشعبية المصرية والجماعة المصرية ككل، يتماهى في ذات واحدة عبر تاريخ طويل من القدرة على الانسجام، أمكن إدراكها الآن عبر منظور علم الأعصاب الثقافي، عبر قراءتي الأولية التي أظنها تصلح كتفسير مناسب لكل هذا الإصرار المصري على التجمع والسمر الليلي رغم الإغلاق المبكر.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية