تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
ترمب يجبر ايران على التفاوض تحت النار
يقترب حشد القوة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط من ذروته، وسط غموض يسيطر على نتائج المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران في العاصمة العُمانية مسقط. العالم بأسره ينتظر إجابة سؤال مصيري واحد: هل هذه خطوة تكتيكية تهدف إلى إجبار إيران على التفاوض تحت النار مع الولايات المتحدة من موقع ضعف، أم أنها خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية بشكل جذري من خلال إسقاط حكم آيات الله؟
انتشرت في الأسابيع الأخيرة تكهنات واسعة النطاق بأن الإدارة الأمريكية تعتزم التركيز، عند مهاجمة إيران، على الإطاحة بالنظام عبر الغارات الجوية، ومع ذلك يجب وضع ملحوظة مهمة في الاعتبار هي أن الإدارة الأمريكية تدرك، من خلال المراقبة الدقيقة للاحتجاجات الإيرانية، أنه لا توجد فرصة حقيقية للإطاحة بنظام خامنئي من خلال المظاهرات فقط.
تغيير الحكم أو النظام بالقوة لا يمثل تحولاً جذرياً في السياسة الأمريكية، فهي تمتلك تاريخاً طويلاً من التدخل لتغيير أنظمة الحكم في دول أخرى، سواء عبر القوة العسكرية المباشرة أو العمليات الاستخباراتية السرية. واستخدمت واشنطن جيشها للإطاحة بنظام حكم تعتبره تهديداً مباشراً لمصالحها أو للأمن العالمي، وتكرر هذا في بنما (1989): عملية "القضية العادلة" لإطاحة الجنرال مانويل نورييغا، وأفغانستان (2001): لإسقاط نظام طالبان بعد هجمات 11 سبتمبر، والعراق (2003): لإسقاط نظام صدام حسين بزعم وجود أسلحة دمار شامل، وليبيا (2011): قيادة تدخل عسكري دولي (ناتو) أدى لسقوط نظام معمر القذافي.
وخلال الحرب الباردة، نشطت وكالة الاستخبارات المركزية في تنظيم أو دعم انقلابات ضد حكومات (غالباً يسارية) لضمان عدم توسع النفوذ السوفيتي: في إيران (1953)، الإطاحة برئيس الوزراء محمد مصدق (عملية أياكس) وإعادة الشاه، وغواتيمالا (1954) بالإطاحة بالرئيس جاكوبو أربينز لحماية مصالح شركات الفاكهة الأمريكية، وتشيلي (1973) بدعم الانقلاب العسكري الذي قاده بينوشيه ضد الرئيس المنتخب سلفادور أليندي.
الرئيس ترامب الذي يؤمن ويرسخ لمبدأ "استخدام القوة لفرض السلام" لا يطرح حدوداً للقوة ولا يلتزم أيضاً بشروط السلام المتغيرة.. وسبق أن استخدم منهجه الجديد في تغيير الحكم بالقوة في فنزويلا بطريقته وشروطه الخاصة، وليس من المستبعد أن يجربه مجدداً في إيران. ولا ننسى أنه اتخذ في يونيو الماضي قراراً لم تجرؤ أي إدارة أمريكية سابقة على اتخاذه، حيث أمر الجيش الأمريكي بالانضمام إلى الحملة الإسرائيلية ضد المواقع النووية الإيرانية فيما يعرف بحرب الـ12 يوماً. لكن الضربة المحدودة والمركزة لمرة واحدة لا تُقارن بهجوم شامل ومنهجي يهدف إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي.
في حال فشل التفاوض فإن الخيارات ستكون محدودة للغاية أمام الطرفين.. ترامب، إما المخاطرة بشن هجوم ذي عواقب مجهولة قد تؤدي إلى إشعال حروب متفرقة في المنطقة ستطول كل ما هو أمريكي، فضلاً عن أن فراغ القوة في إيران قد يستحيل ملؤه مستقبلاً نظراً للجغرافيا السياسية للبلاد وتركيبتها السكانية المعقدة، أو إبرام صفقة سيئة قد تجلب عليه غضب العديد من الأطراف في المنطقة وخارجها، وربما تمنح إيران مصدراً جديداً للتنفس والنمو اقتصادياً وسياسياً.
على الجانب الآخر، فإن خيارات طهران ستكون: إما تلقي ضربة عسكرية غير محدودة المخاطر بما في ذلك منح كل الدعم للمتظاهرين في الداخل، مما يفتح الباب أمام سقوط النظام وكل ما بناه منذ عام 1979، أو تقليم أظافرها بالتخلي عن برنامجها النووي والصاروخي وأذرعها في المنطقة، وهو ما يترك النظام عارياً أمام الداخل الإيراني بعد أن تخلى عن عقيدته وكل طموحاته التي أرساها في عقول الإيرانيين على مدى خمسة عقود.
لا شك أن تحقيق الأهداف الواقعية بدون موازين القوى يتحول إلى أحلام وجموح، والتمسك بها يؤدي إلى الجمود والتصلب وربما السقوط. والمفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية هي في الحقيقة صراع إرادات بين فرض الطموحات الوطنية الإيرانية التي قد تتجاوز الإمكانيات وتتعارض مع رغبات إقليمية، ورؤية رئيس أمريكي لمنطقة تضخ حوالي 30% من البترول في الاقتصاد العالمي، تستند إلى قوة غاشمة يعززها طرف إقليمي -إسرائيل- يطمح في تنصيبه شرطي الشرق الأوسط.
وفي الوقت نفسه فإن إسرائيل تستشعر قلقاً متزايداً من إمكانية إبرام صفقة مع طهران تستبعد برنامجها الصاروخي طويل المدى، وربما اللقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو "الأربعاء" يتناول هذا الاحتمال المرفوض تماماً من تل أبيب، ولا سيما رفض إيران التخلي عن مبدأ تخصيب اليورانيوم. وفي الوقت نفسه، تُقرّ تل أبيب باستعداد واشنطن لدراسة التقدم المحرز، حتى لو كان ذلك على حساب تأجيل قضايا أخرى.
لذلك فإن فرص نجاح مفاوضات مسقط قد تصبح معدومة إذا لم يؤمن المشاركون فيها بمبدأ أن "الضرورة توجب المرونة"، خاصة مع استمرار تدفق الدعم العسكري الأمريكي إلى الخليج العربي. وإذا تم تجاهل هذا المبدأ فإن هجوم واشنطن على إيران يصبح مسألة وقت فقط، مع الجزم بأن الرئيس دونالد ترامب يعوّل على احتمال الفشل لإطلاق حملته العسكرية الجديدة ضد نظام طهران باعتباره "أبغض الحلال" كما يعتقد.
في نهاية المطاف، لا يبدو أن المنطقة تتحرك نحو مجرد اتفاق سياسي عابر، بل نحو لحظة اصطدام كبرى بين مشروعين لا يلتقيان. وبينما تقف عُمان شاهدة على محاولات ترويض العاصفة في غرف المفاوضات، تظل بوارج واشنطن في الخليج ترسم حدوداً جديدة للمنطقة بمداد من بارود. ويبقى أن "المرونة" التي تفرضها الضرورة الآن ليست مجرد رفاهية حوار أو تكتيك دبلوماسي، بل هي طوق النجاة الأخير؛ فإذا انقطع، لن تجد المنطقة نفسها أمام "صفقة القرن"، بل أمام "حرب القرن" التي يرى فيها ترامب ضرورة قصوى لفرض سلامه الخاص.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية