تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > د. حاتم صادق > الصين في قلب الأزمة الإيرانية

الصين في قلب الأزمة الإيرانية

فنزويلا وإيران، البلدان الأكثر تأثراً بعقيدة "السلام من خلال القوة" التي دشنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فالأولى تم حصارها بحراً وجواً واختطاف رئيسها وبدء محاكمته في ولاية ميامي، دون أي رد فعل عالمي ذا جدوى، والآن طهران على نفس الطريق لحين إشعار آخر.

الغريب أن الرابط بينهما ليس ما يزعم البعض من تجارة المخدرات أو دعم الإرهاب والعنف، لكنها الصين التي تمثل الرقم الأكثر إزعاجاً لمستقبل الولايات المتحدة، الاقتصادي والعسكري.

فكلا البلدين يمثلان شريان الحياة لنمو الصين وازدهارها، وهما يمدانها بحوالي ثلث احتياجاتها من النفط لبقاء عجلة التطور في وضع الإنتاج.. ومعضلة واشنطن الكبرى هي كبح جماح النمو الصيني.

تملك الصين تقريباً كل مقومات المستقبل؛ بداية من العقول مروراً بالمعادن النادرة، وانتهاءً بأشباه الموصلات، باستثناء "النفط" الذي يشكل عصب الصناعة والتطور هناك على الأقل مؤقتاً.

وتعد أكبر مستورد للنفط الخام في العالم والمشتري الرئيسي للنفط القادم من إيران، ما يجعلها الأكثر عرضة للتأثر بأي تعطل في الإمدادات جراء الصراع في الشرق الأوسط.

وتتصدر بكين كذلك قائمة مشتري النفط من فنزويلا، حيث تستحوذ على حوالي 85% من صادراتها النفطية، وبحجم واردات تجاوز 600 ألف برميل يومياً في ديسمبر 2025، لتشكل نحو 7% من إجمالي واردات الصين النفطية.

يتم نقل معظم هذا النفط عبر "أسطول ظل" لتعقيد العقوبات الأمريكية. تاريخياً، كانت الشحنات جزءاً من سداد ديون فنزويلا للصين، وهذه العلاقة مستمرة رغم محاولات الولايات المتحدة التضييق عليها.

في الوقت نفسه فان الصين التي تمثل المشتري الرئيسي والوكيل شبه الحصري للنفط الإيراني، تستحوذ على ما بين 80% إلى 90% من إجمالي صادرات إيران النفطية المنقولة بحراً.

في عام 2024: بلغ متوسط الصادرات الإيرانية للصين حوالي 1.38 مليون برميل يومياً وفقاً لبيانات تتبع السفن. وسجلت بعض الأشهر طفرات قياسية تجاوزت 1.8 مليون برميل يومياً (مثل يونيو 2025).

وفي عام 2025: تشير التقارير إلى استقرار الصادرات عند متوسط 1.38 مليون برميل يومياً، وهو ما يمثل انخفاضاً طفيفاً بنسبة 7% مقارنة بالعام السابق، رغم استمرار الضغوط الدولية. وفي ديسمبر 2025: سجلت الصادرات الإيرانية الإجمالية (التي تذهب معظمها للصين) حوالي 1.56 مليون برميل يومياً.

آلية التجارة والأسعار هي الأخرى تدخل ضمن اقتصاد المخاطر، حيث تمنح إيران خصومات كبيرة على أسعار نفطها لجذب المشترين الصينيين وتحمل مخاطر العقوبات. ويتم الاعتماد بشكل كبير كالعادة على "أسطول الظل" وعمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى في عرض البحر لإخفاء منشأ الشحنات.

الاتفاق الوحيد في لقاء ترامب الأخير ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، كان على تصعيد "الضغوط القصوى" لاستهداف صادرات النفط الإيرانية إلى الصين بشكل مباشر.

وفعلياً، فرضت الولايات المتحدة مطلع هذا الشهر عقوبات على شركات ملاحة وسفن (مثل الناقلة VICSCENE) بتهمة نقل النفط الإيراني، كما لوحت واشنطن بفرض تعريفات جمركية تصل إلى 25% على الصين إذا استمرت في تجارة النفط مع إيران.

ثارت التكهنات بشأن إنتاج النفط الإيراني مع تزايد الاضطرابات والاحتجاجات الاجتماعية في طهران، ودخول الولايات المتحدة على خط الأزمة دعماً للمتظاهرين، وتهديداً بإسقاط النظام الحاكم.

وتواجه إيران احتجاجات متصاعدة منذ أواخر ديسمبر 2025 على خلفية تدهور قيمة العملة المحلية وتفاقم الأزمة الاقتصادية، لكن هذه الاحتجاجات لم تُعطّل قطاع إنتاج النفط بعد. ورغم ذلك، فإن دخول ترامب على خط الأزمة، والتهديد بتوجيه ضربات عسكرية جديدة، فضلاً عن تشديد العقوبات على صادرات طهران، أثار تكهنات متفاوتة حول مستقبل إنتاج النفط الإيراني، وأكثر المتضررين من تلك العقوبات هي بكين التي تقف دائماً في قلب الأهداف الأمريكية.

في هذا السياق، يتوقع أسوأ سيناريوهات انخفاض إنتاج النفط في إيران بأكثر من الثلث أو بمقدار 1.2 مليون برميل يومياً، إذا أدت التوترات مع الولايات المتحدة إلى تدخل عسكري أطاح بالنظام. وبحسب هذا السيناريو، من المتوقع وصول إجمالي إنتاج النفط الإيراني إلى مليوني برميل يومياً، مقارنة بمتوسطه البالغ 3.2 مليوناً عام 2025. بينما يرجّح سيناريو آخر يفترض الوصول إلى تفاهمات عبر المفاوضات بين البلدين، ارتفاع إنتاج النفط بمقدار 200 ألف برميل يومياً، ليصل الإجمالي إلى 3.4 مليون برميل يومياً.

مع انسداد الأفق، تبدو سيناريوهات التفاهم عبر التفاوض أو إسقاط النظام بتدخل عسكري أميركي بعيدة المنال في المدى القريب؛ ما يرجّح بقاء إنتاج النفط الإيراني مستقراً عند 3.2 مليون برميل يومياً في عام 2026، بحسب تقديرات وكالة "ريستاد إنرجي".

وتستند شركة الأبحاث في هذا الترجيح إلى بقاء الاحتجاجات بعيدة عن البنية التحتية لقطاع التنقيب والإنتاج، واستمرار قدرة إيران على تصريف صادراتها إلى الخارج عبر شبكات تجارية احترفت التحايل على العقوبات.

ويستند هذا التحليل إلى تجارب الصين السابقة في اقتناص فرص شراء النفط بأسعار مخفضة من المنتجين الخاضعين للعقوبات؛ ما يعني أن تغيير هذا الوضع سيتطلب تدخلاً خارجياً واسع النطاق.

رغم تشديد العقوبات الأميركية، ما زالت إيران قادرة على تصدير 1.5 مليون برميل يومياً، وهو ما يعادل أقل من نصف إنتاجها تقريباً. لكن في هذه الحالة يمكن أن يتأثر نمو الاقتصاد الصيني سلباً مع انخفاض وارداتها من النفط، وهو ما لم تسمح به بكين.. وربما الأيام القادمة تشير إلى الأوراق التي تمتلكها الصين، وهي عديدة، للتصدي لمحاولات واشنطن.

  •  

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية