تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
الصين وميعاد مع القدر
الصين هى المنتصر فى حرب العدوان الروسى على أوكرانيا. هذه الحرب أضعفت كلا من روسيا وأوروبا الغربية، وأدخلت الأولى فى فلك ووضع التبعية لبكين، التى تشترى الطاقة الروسية بثمن بخس، وتمد روسيا بعدد كبير من التكنولوجيات الثنائية الاستخدام – مدنى وعسكري ـــ والعواصم الغربية تخشى قيام روسيا والصين بالتنسيق معا والقيام فى توقيت واحد بهجوم على أوروبا – من قبل روسيا وبآخر على تايوان. وسبب الخوف هو أن الغرب سيكون فى أضعف حالاته ما بين 2027 و2032، يختلف الخبراء حول مدى واقعية هذا السيناريو. من يستبعده يرى أن أى هجوم صينى على تايوان سيكون ضربة قوية للاقتصاد الدولى لم يسبق لها مثيل منذ سنة 1945، ويضيف أن المعروف أن العقيدة الاستراتيجية الصينية تحبذ تركيع العدو دون إطلاق رصاصة واحدة، ولها تراث فكرى يدرس كيفية تحقيق هذا، ويلاحظ فى هذا الصدد أن الصين فى صدام مع عدد كبير من دول الجوار وأنها تتحرش بانتظام ببعضها منذ سنوات دون أن يسيل الدم، ويقول بعض الخبراء إن الجيش الصينى أضعف جدا مما يقال، لا خبرة قتالية له، يقوم الرئيس الصينى بإزاحة قيادات الجيش بين حين والآخر مما يوحى أنه غير راض عن الأداء – ويرى خبراء آخرون أن هذا التقييم غير واقعي. ومن ناحية أخرى يشدد آخرون على هشاشة الاقتصاد الصينى ومعاناته من عدة أزمات، وهو ليس فى حاجة إلى هزة إضافية.
من يرفض استبعاد هذا السيناريو أو يرجحه يشدد على عدة أمور، نذكر منها كون الصين تعانى حصارا بحريا غير معلن، هناك شبكة من الجزر تحول دون انطلاقها الحر نحو أعالى البحار، الاستيلاء على تايوان يفك هذا الحصار ويرسل رسالة قوية إلى اليابان وغيرها.
ويضيف الكثيرون أن النعرة القومية ارتفعت فى الصين.،وللصين «ثأر» مع كل الدول التى أذلتها واعتدت عليها فى القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين... ومن هذه الدول المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة وإيطاليا واليابان... وروسيا. وتحس الصين أن الأوان آن لتسترد مكانتها كقوة عظمى مهيمنة –على الأقل فى آسيا- ولتصفى حسابات الماضي. جدير بالذكر أن شرق سيبيريا كان إقليما صينيا، وأن الصين تستثمر فيه بكثافة، وأن عدد الصينيين الذين يستوطنون فيها فى زيادة مضطردة، فى حين أن أعداد الروس تقل مع ميلهم إلى الهجرة الداخلية، وأن الخرائط الصينية تطلق على بعض المدن أسماء صينية، وتصعب التبعية الروسية المتزايدة لبكين من قدرة موسكو على التعامل مع هذا الاستيطان الناعم حاليا. تراهن روسيا على حقيقة تركيز الصين حاليا على تطوير قوتها البحرية وعلى مسألة تايوان من ناحية، وعلى بناء شبكات نقل برية لصادراتها تجاه أوروبا والشرق الأوسط من ناحية أخري، مما يعنى أنها لن تسعى إلى إشعال فتيل أزمات تهز استقرار أوراسيا. قد يكون هذا التحليل صائبا، ولكن الصين تجيد اتباع منهج التدرج فى تحقيق أهدافها وأثبتت قدرة هائلة على الصبر الاستراتيجي، ويلاحظ أنها تحاول تطوير طرق لا تمر عبر الأراضى الروسية إلى جانب الطريق الرئيسى عبرها.
يضاف إلى هذا كله اقتناع الصين بأن الغرب فى أفول، وأن الأزمة الاقتصادية والمالية العنيفة فى نهاية العقد الأول من القرن عشرين سرعت هذا. فى اللقاءات بين الأكاديميين الصينيين والأوروبيين يقول الأولون إن «زمان المحاضرات والمواعظ والدروس الغربية للصين انتهي، وبدأ عصر قيام الصين بإعطاء الدروس للغربيين». ويتساءل المراقبون عن رأى الصينيين فى الرئيس ترامب، وهل سيرون أن خوفه من الثمن المالى والبشرى والعسكرى المرتقب سيمنعه من التدخل إن حاولت الصين الاستيلاء على تايوان. صحيح أن وثيقة استراتيجية الأمن القومى الأمريكية قالت إن الولايات المتحدة ضد أى تغيير للوضع الحالي، ولكن الشكوك تبقي. وهناك من يتساءل... هل الصين فى حاجة إلى حسم هذا الملف قبل أن ينقلب هرمها السكانى نتيجة لضعف معدلات الإنجاب. ولاحظ خبير فرنسى بارز أن الدبلوماسية الصينية تجمع بين منهجين هما الوجود والنشاط الكثيفن فى الهيئات والمنظمات الدولية من ناحية، وبناء مؤسسات بديلة تهيمن بكين عليها من ناحية أخري. ولا أحد يستطيع توقع مسار السباق المحموم بين الولايات المتحدة والصين فى المجالات العلمية والتكنولوجية، من ناحية هناك قدر كبير من السرية فيما يتعلق بتقدم الطرفين فى عدد من المجالات، ولا أحد يعلم كيف ستؤثر سياسات الرئيس ترامب تجاه الجامعات وتجاه الهجرة على منظومات البحث العلمى الأمريكي.
لا يتسع المجال لعرض واف للسياسات الاقتصادية والتجارية الصينية، ما لها وما عليها، ولذلك نكتفى ببعض الإشارات، العمود الفقرى للاقتصاد العالمى شركات المعلومات، وعدد منها صيني، الشركات الصينية فى كل المجالات أقل استقلالا تجاه السلطة السياسية من نظيراتها الأمريكية، وتلتزم باستراتيجية الدولة وبأهدافها.
استراتيجية الدولة أعطت أولوية لحماية الصين من عقوبات محتملة, أى كونت مخزونا كبيرا لعدد من السلع، ولصيانة الاستقلال الوطني. تميز أداء القيادات الصينية بمهارة فائقة فى التخطيط للمستقبل وفى الاستثمار المبكر والكثيف فى مجالات مستقبلية، منها على سبيل المثال السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية والمعادن الحرجة والعناصر الأرضية النادرة، وهذا الاستثمار ضمن لها هيمنة لم تتردد الدولة فى توظيفها لردع الرئيس الأمريكي، وإلى جانب هذا أصبحت الصين مصنع العالم مما يعنى أن أعدادا من الدول لا تستطيع أن تفك ارتباطها بها.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية