تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
الخروج من زمن العجائب
حين مات يوليوس قيصر بعد أن اغتاله تلاميذه على سلالم الكابيتول يروى المؤرخون أن العبيد انقلبوا فى الشوارع إلى أسود ضارية بالمعنى الحقيقى، وأن النساء تحولت أياديهن إلى شعلات من لهب وحدث كسوف للشمس وأمطرت السماء. وقد أعاد شكسبير فى مسرحيته «قيصر وكليوبترا» هذه المشاهد كما ذكرها المؤرخون الرومان المعاصرون لقيصر. نفس الأمر يتكرر لدى المؤرخين المسلمين حينما يتحدثون عن موت أحد الصحابة أو الخلفاء، أو عظيم من العظماء. أما لو نظرنا إلى كتب التاريخ المعاصر فلا نجد مؤرخاً واحداً يقبل أن يضع مثل هذه الظواهر الغريبة حينما يصف موت أحد الزعماء، ولو تجاسر مؤرخ ووضعها لاتهمه القراء بالعبث والجنون. فما الذى حدث؟
بمرور الزمان زادت المعارف وتطورت العلوم وتقدم الوعى البشرى بحيث لم يعد يصدق خبرا دون دليل. بعد النجاح الكبير للعلوم الطبيعية مثل الفيزياء والميكانيكا والكيمياء أصبحت التجربة هى معيار الحقيقة. فإذا زعمت وجود أى شيء عليك أن تثبت ذلك بالتجربة. وكان معارضو النزعة المادية يرون أن الانسان ينقسم إلى روح وجسد. وحاولوا هم أيضا إثبات ذلك بالتجربة، فبدأت عمليات تحضير الأرواح، وهى التى لم يسمع بها أحد طوال تاريخ البشرية فى أى ثقافة من الثقافات..
لقد مال البشر إلى المزيد من العقلانية والنزعة التجريبية وضربوا صفحاً عما امتلأت به كتب المؤلفين القدامى من أعاجيب وخوارق لم يعد يقبلها العقل. ومع ذلك ظلوا مدركين لما تحمله من قيمة معرفية. أرسطو على سبيل المثال مازال يحظى بمكانة مرموقة فى تاريخ الفكر ومازالت كتبه تطبع ويقبل عليها القراء والباحثون، بل واعتبروه فى العصور الوسطى المسلمة والمسيحية رمزا للتفكير العقلى المنهجى الصارم. ورغم ذلك كان أرسطو يزعم أن العبودية نظام فرضته الطبيعة ومن دونه لا يمكن أن تسير أمور البشر. بل واقتضت الطبيعة أن يكون السادة دائماً من الإغريق بينما يكون العبيد من باقى الأجناس. وتصور أرسطو أن للإنسان نفساً خالدة لأنه يعرف جدول الضرب. كما زعم أن عدد أسنان الرجل 32 سِنة، أما عدد أسنان المرأة فهى 36 سِنة، لأن المرأة فى نظره أقرب إلى مملكة الحيوان. ويسخر الفيلسوف الإنجليزى برتراند راسل من هذا الزعم قائلا إنه كان أحرى بأرسطو أن يعد أسنان زوجته قبل أن يتفوه بهذه الحماقة. القراء المعاصرون يعتبرون هذه الدعاوى خرافات وأباطيل. ولكن يلزم الفرز بين روايات عجيبة لم تعد مقبولة، وقيم ومعان حية ومتجددة ولازمة لرقى البشرية وهو ما يقتضى تكوينا علميا منهجيا ومتماسكا وروحا نقدية عالية وشجاعة فكرية.
فى الكتب التى ورثناها روايات كثيرة من هذا النمط، ولم تكن هذه الروايات تصدم أحداً فى العصر الذى كُتبت فيه، بل كان الناس يحتفون بها أيما احتفاء. فالكتاب يعيدون روايتها فيما يكتب والخطباء يزينون بها خطبهم وما ذلك إلا لأنها تقع عند المتلقين موقعا حسنا. ولهذا نجدها تنتشر فى كتب المفسرين والمحدثين والفقهاء والمؤرخين والجغرافيين والرحالة. وكيف لا والعالم نفسه أعجوبة الأعاجيب: العفاريت تختبئ فى أركان الشوارع، والشياطين تتحين الفرص لتسكن أجساد البشر فى غفلة منهم، ونسبة من الحيوانات هم بشر مسخوطون.
لم تعدم تلك العصور من وجود فئة قليلة من العقلانيين. الجاحظ مثلا فى القرن الثانى الهجرى أبدى ارتيابه فى الروايات التى تمتلئ بها كتب المفسرين والمحدثين والمؤرخين التى تورد أخباراً عن العمالقة الذين يبلغون تسعين ذراعا أى نحو خمسين متراً أو المعمرين الذين عاشوا ما يقرب من ألف عام، وابن خلدون يتعجب من زعم اليهود أن النبى موسى كوّن من شبابهم فى سيناء جيشا يزيد على ستمائة ألف مقاتل فى حين كان جيش رمسيس خمسة وعشرين ألفا وجيش نبوخذنصر ثلاثين الفا، ويتبنى ابن رشد مبدأ السببية فالظاهرة التى تخالف الاسباب المعروفة خرافة.
من الصعب الآن إقناع قارئ يعيش فى القرن الحادى والعشرين بأنه ملزم بتصديق كل هذه الأعاجيب. ولكن ما العمل إذا وجدت مثل هذه الروايات فى كتب لها قيمة معرفية ودينية وأدبية. أعتقد أن تطور الفكر العقلانى فى أغلب الثقافات قد مال إلى تناول هذه الروايات تناولا تأويلياً رمزياً، أى النظر إلى النص ليس على أنه كلام تقريرى يصف واقع الحال ولكن على أنه يمتلئ برموز أو مجازات تشير إلى معنى أبعد وأعمق. وبهذه الطريقة أمكن خلق حالة من التصالح بين النزعة العلمية والتجريبية الحديثة وبين الاستفادة من كتب التراث.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية