تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > د. القس جرجس عوض > الدراما وتشكيل الوعى الاجتماعى

الدراما وتشكيل الوعى الاجتماعى

إن أردتَ أن تُسفِّه الشعوب فعليك بإعلامٍ هابط، وإن أردتَ أن ترتقي بها فعليك بإعلامٍ واعٍ هادف. فالإعلام مدرسةٌ يتخرّج فيها العالِم أو الجاهل، والمثقف أو السفيه؛ يطرح أفكارًا مسمومةً أو رؤىً بنّاءة، ويزرع الأمل أو يبثّ الفشل لقد لعبت الدراما على مرّ الزمان دورًا مهما في تشكيل الوعي الاجتماعي، سواء كان تأثيرها إيجابيًا أو سلبيًا.

فمن خلالها تتكوّن الصور الذهنية، وتتشكّل الاتجاهات، وتترسخ القيم أو تضعف. ولذلك تُعدّ الدراما من أكثر المنابر تأثيرًا في المجتمع، وأكاد أن أجزم بأنها أقوي تأثيرًا من منبر المسجد والكنيسة إذ تصل إلى مختلف الفئات بسهولة، وتدخل البيوت بدون استئذان، وتخاطب العقل والعاطفة في آنٍ واحد.

 

ومن هذا المنطلق تأتي الدراما الرمضانية كل عام لتكون مرآةً لنبض المجتمع، ومنبرًا ثقافيًا واجتماعيًا يجتمع حوله أفراد الأسرة بعد الإفطار، في لحظات إنسانية دافئة تجمع بين المتعة والتأمل. وخلال السنوات الأخيرة شهدت بعض الدراما طفرة واضحة في نوعية الموضوعات المطروحة، حيث تجاوزت حدود الترفيه لتلامس قضايا فكرية واجتماعية عميقة، تسهم في نشر الوعي وتعزيز القيم.

وفي موسم رمضان 2026 برزت مجموعة من الأعمال التي حملت همّ الأسرة، وسعت إلى تعزيز ترابطها وتماسكها باعتبارها االنواة التي يقوم عليها بناء المجتمع. فقد ركزت هذه الأعمال على العلاقات الأسرية، وأهمية الحوار بين الأجيال، ومسئولية الآباء في غرس المبادئ السليمة في نفوس الأبناء.

ومن بين هذه الأعمال على سبيل المثال لا الحصر مسلسل (كان ياما كان) ومسلسل (أولاد الراعي)، حيث يتناول كلٌّ منهما التحديات التي تواجه الأسرة المعاصرة في إطار اجتماعي واقعي، مسلطين الضوء على قيمة التفاهم، وأهمية الصبر، وضرورة الحفاظ على كيان الأسرة في ظل ضغوط الحياة. وقد قدّمت هذه الأعمال نماذج إنسانية قريبة من الواقع، تعكس مشكلات حقيقية وتطرح حلولًا قائمة على الحوار والتسامح. كما جاء مسلسل صحاب الأرض ليؤكد قيمة الانتماء والارتباط بالجذور، جامعًا بين البعد الوطني والاجتماعي في قصة إنسانية مشوقة. فقد طرح العمل تساؤلات عميقة حول الهوية والعدالة والتمسك بالحقوق، مما يعزز وعي المشاهد بأهمية دوره الإيجابي في حماية مجتمعه والحفاظ على وطنه.

وفي إطار مواجهة الفكر المتشدد، يقدّم مسلسل (رأس الأفعى) معالجة درامية لقضايا الأمن الفكري، مسلطًا الضوء على خطورة الأفكار المتطرفة وآثارها المدمرة على الفرد والأسرة والوطن. وأبرز العمل أهمية دور المؤسسات الوطنية في حماية الشباب من الوقوع في براثن الجماعات المتشددة، مؤكدًا أن الوعي هو خط الدفاع الأول في مواجهة الانحراف.

أما مسلسل (إفراج) فعرض فكرة الفرصة الثانية، من خلال قصة إنسانية تبعث الأمل في النفوس، وتؤكد إمكانية التغيير والتوبة الصادقة والاندماج من جديد في المجتمع. وهو طرح يعزز ثقافة التسامح واحتواء الآخرين بدل نبذهم، مما يسهم في تقوية النسيج الإنساني والاجتماعي والشفاء النفسي..

كذلك يعرض مسلسل (سوا سوا) رؤية متوازنة للعلاقات الإنسانية، مؤكدًا أن الاحترام المتبادل والتفاهم هما الأساس في أي علاقة ناجحة، وأن الكلمة الطيبة قادرة على بناء جسور الثقة بين أفراد الأسرة والمجتمع. والكثير من الأعمال الفنية الكوميدية.

إن الدور الإيجابي لدراما رمضان هذا العام يتجلّى في قدرتها على إعادة الاعتبار لقيم الحوار، والتسامح، والانتماء، والمسئولية المشتركة. فهي لا تكتفي بعرض المشكلات، بل تسعى إلى تقديم نماذج للحلول، من خلال شخصيات واقعية تعكس معاناة الإنسان وقدرته على التغيير.

ومن هنا تتضح أهمية الإعلام كركيزة أساسية في بناء المجتمعات؛ فهو ليس مجرد وسيلة لنقل الأحداث، بل أداة فعّالة في تشكيل الوعي وتوجيه الرأي العام. فإن أحسنّا استخدامه أصبح وسيلة للارتقاء بالشعوب، وإن أسيء توظيفه تحول إلى أداة لنشر السطحية والفكر المنحرف. لذلك تقع على عاتق صُنّاع الدراما مسئولية كبيرة في تقديم محتوى يحترم عقل المشاهد، ويعزز القيم الأخلاقية والوطنية ولا يُقاس نجاح العمل الدرامي فقط بنسبة المشاهدة، بل بمدى قدرته على إحداث حوار داخل الأسرة الواحدة.

فإذا تحوّل المسلسل إلى نقطة انطلاق لنقاش بين الآباء والأبناء حول قيمة الصدق، أو خطورة التطرف، أو أهمية الانتماء، فقد أدى رسالته بجدارة. وهنا يكمن جوهر الدور الحقيقي للدراما الرمضانية: أن تكون جسرًا للتواصل، ومنصة لتعزيز الوعي المجتمعي، وأداة لترسيخ القيم الإنسانية التي تجمع بين الفن والرسالة، وبين المتعة والمعنى.

وإذا استمرت هذه الرؤية في المواسم المقبلة، فستظل الدراما إحدي أهم الأدوات المؤثرة في تشكيل الوعي، ودعم تماسك الأسرة، ومواجهة التطرف بالفكر المستنير والقيم الراسخة.حقا الإعلام من اقوي الوسائل، بل هو مدرسة تصوغ العقول وتشكّل الضمائر؛ ومن بين جنباتها تولد أفكارٌ إمّا أن تكون سُمًّا زعافًا يهدم الأوطان، وإمّا أن تكون نورًا هاديًا يبني الإنسان.

ويزرع الأمل في القلوب ويمنح الأمان. وكل عام وأنتم بخير

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية