تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
القيامة ومواجهة نزعة الانتقام
فى عالمٍ تتسارع فيه دوائر العنف، ويُبرَّر فيه الانتقام بأنه حقٌّ مشروعٌ أو ردُّ فعلٍ طبيعىٌّ ينزلق الإنسان بسهولة إلى منطقٍ يُبقيه أسيرًا للألم. فالانتقام لا يُنهى الشر، بل يعيد إنتاجه؛ يُحوِّل المجنىّ عليه إلى فاعلٍ جديدٍ للعنف، وتستمرُّ السلسلة بلا نهاية. من هنا، تبدو الحاجة مُلحَّةً إلى قوةٍ قادرةٍ على كسر هذه الدائرة من جذورها.
فى قلب هذا الواقع، تقدم القيامة إعلانًا حاسمًا بأن دائرة العنف يمكن -بل يجب- أن تُكسر. ففى إنجيل يوحنا 20: 26، نرى التلاميذ مجتمعين خلف أبوابٍ مغلقةٍ، مُحاصَرين بالخوف والذنب. لقد أنكروا وهربوا وقت الصليب، وعندما ظهر إليهم السيد المسيح بعد قيامته كانوا يتوقعون -بمنطق البشر- أنه عاد لمواجهتهم ولومهم على تقصيرهم؛ ففى وقت صلب المسيح ومحاكمته تخلى عنه معظم تلاميذه خوفًا على أنفسهم. لكن المفاجأة الصادمة كانت فى أولى كلماته «سلام لكم». لا عتاب، لا إدانة، بل سلام يفتتح علاقة جديدة.
غير أن هذا الموقف لا يمكن فهمه بمعزلٍ عن قصة الصليب نفسها، التى كانت -فى جوهرها- كسرًا جذريًّا لدائرة الانتقام.
ففى لحظة القبض على المسيح، حين استلّ بطرس سيفه وقطع أذن عبد رئيس الكهنة (يوحنا 18: 10)، كان يتصرَّف وفق المنطق البشريِّ الطبيعيِّ: الدفاع بالعنف، ومواجهة القوة بالقوة. لكن السيد المسيح أوقفه فورًا، قائلًا: «اجْعَلْ سَيْفَكَ فِى الْغِمْدِ!» (يوحنا 18: 11؛ راجع أيضًا متى 26: 52: «لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ!»). هنا يضع السيد المسيح حدًّا واضحًا لمنطق العنف.
وعلى الصليب، يصل هذا الموقف إلى ذروته؛ فنجده يغفر لصالبيه قائلًا: «يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ» (لوقا 23: 34). هذه ليست مجرَّد دعوة للصفح، بل إعلانٌ ثوريٌّ يقلب منطق العدالة الانتقامية رأسًا على عقب. فى أكثر لحظات الظلم قسوةً، يختار السيد المسيح الغفران.
هكذا يتضح أن القيامة لم تكن حدثًا منفصلًا عن الصليب، بل امتدادًا طبيعيًّا له؛ فالمسيح الذى رفض العنف وغفر لصالبيه، هو نفسه الذى قام ليعلن لتلاميذه: «سلام لكم». السلام هنا ليس مجرد نتيجة، بل هو ثمرة طريقٍ اختار الحب بدلًا من الانتقام.
وهذا يقودنا إلى العمق اللاهوتى لهذه الرسالة: إن ما كسر دائرة العنف لم يكن ضعف الإنسان، بل محبة الله نفسه. كما يعلن الرسول بولس: «اَللهُ الَّذِى هُوَ غَنِيٌّ فِى الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِى أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ» (أفسس 2: 4-5). فالمبادرة لم تأتِ من إنسانٍ قرر أن يسامح، بل من إلهٍ أحب أولًا، وغفر بينما الإنسان بعدُ فى حالة عداء.
هذه المحبة الإلهية هى القوة الوحيدة القادرة على كسر دائرة الانتقام، لأنها لا تكتفى بردّ الفعل، بل تغيّر نقطة البداية نفسها. فهى لا تنتظر استحقاقًا، ولا تردّ الإساءة بمثلها، بل تخلق واقعًا جديدًا حيث يُستبدل العنف بالسلام، والعداء بالمصالحة.
من هنا، تصبح القيامة دعوة عملية لنا اليوم: أن نخرج من منطق «الحق الذى يجب استرداده» إلى منطق «الحياة التى يجب أن تُحفظ». أن نرفض أن نكون حلقةً جديدة فى سلسلة العنف، ونختار -بوعيٍ وإرادة- أن نكون نقطة النهاية لها. لقد كسر المسيح دائرة الانتقام حين رفض العنف، وغفر على الصليب، وأعلن السلام بعد القيامة.
والسؤال الذى تطرحه القيامة علينا: هل نمتلك الشجاعة أن نعيش بهذا المنطق؟
لأن العالم لا يتغير حين ينتصر طرفٌ على آخر، بل حين يختار إنسانٌ -فى لحظةٍ حاسمةٍ- أن يقول بدلًا من كل شىء: سلام لكم.
أخيرًا، فلنرفع قلوبنا بالصلاة: يا إله السلام والمحبة، نشكرك لأنك كسرت دائرة العنف بمحبتك، وأعلنت لنا طريق الحياة فى قيامة المسيح. نطلب إليك أن تزرع سلامك فى قلوبنا، فنصير صانعى سلامٍ حقيقيين، لا نردّ الشر بالشر، بل نغلب الشر بالخير. نصلّى من أجل منطقتنا، بكل ما تحمله من آلامٍ وتوترات، أن تسود فيها المصالحة بدلًا من الانقسام، والهدوء بدلًا من العنف. نصلّى من أجل بلادنا، مصر، أن تحفظها فى سلامٍ وأمان، وامنح شعوبنا نعمة أن تختار الغفران بدلًا من الانتقام، والسلام بدلًا من الصراع. آمين.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية