تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > الكتاب > د. أسامة السعيد > عالم جديد يتشكل فى ثلوج «دافوس»!

عالم جديد يتشكل فى ثلوج «دافوس»!

اليوم يبدو العالم أشبه بطاولة مراهنات كبيرة، المراهنة فيها ليست بالمال، بل بمستقبل الطاقة، وسعر رغيف الخبز، وأمن الحدود. فى هذه اللعبة، أنت لا تلعب بمفردك، وكل حركة تقوم بها تعتمد كلياً على ما يتوقعه خصمك منك، وما تتوقعه أنت منه. 

السياسة فى حد ذاتها بات يعاد النظر فى تعريفها وممارستها، إذ تتحول من فن للحكم إلى فن للربح وتحقيق المكاسب أيضًا، بعدما تحولت التحالفات السياسية والعسكرية إلى سلعة قابلة للتصدير ومورد واعد لجنى الأرباح

الحقيقة أن التقدير الأمريكى لمصر عامة ولشخص الرئيس السيسى على وجه الخصوص لم يأت من فراغ، فهو نتيجة إدراك عميق لطبيعة التعقيدات التى تعانيها المنطقة، وعمق الدور الحيوى الذى تقوم به القاهرة

لا أعتقد أن العالم بدا مشغولًا بسؤال المستقبل مثلما يبدو اليوم، فى ظل تحولات كبيرة ومتسارعة، حتى الخبراء والمحللون الكبار فى مراكز الفكر والبحث باتوا أكثر تحفظًا فى إبداء آراء حاسمة، أو تقديم أحكام يقينية بشأن ما يمكن أن يبدو عليه العالم فى صبيحة «اليوم التالى»، وقد بات هذا المصطلح من المفاهيم الشائعة، ليس فقط فيما يتعلق بالوضع فى الشرق الأوسط، بل بمحاولة فهم ما يجرى فى العالم برمته.
اليوم يبدو العالم أشبه بطاولة مراهنات كبيرة، المراهنة فيها ليست بالمال، بل بمستقبل الطاقة، وسعر رغيف الخبز، وأمن الحدود. فى هذه اللعبة، أنت لا تلعب بمفردك، وكل حركة تقوم بها تعتمد كلياً على ما يتوقعه خصمك منك، وما تتوقعه أنت منه. 
هذا ليس مشهداً من فيلم سينمائى، بل هو جوهر نظرية «المباراة» أو «اللعبة» Game Theory التى  ربما تكون هى أنسب نظريات العلاقات الدولية لتفسير ما يدور فى العالم فى اللحظة الراهنة، فنحن لا نعيش مجرد أزمات عابرة، بل نعيش جولة كبرى من «مباراة» أو «لعبة» معقدة، حيث الخطأ فى حساب خطوة الخصم لا يعنى الخسارة فقط، بل يعنى - أحيانًا - الخروج من التاريخ!
تفسر النظرية لماذا يبدو العالم «مجنوناً» أحياناً، فالدول تتسابق للتسلح أو السيطرة على الموارد ليس لأنها تحب الحرب، بل لأنها تخشى أن تكون «الطرف الطيب»  الذى يلتزم بالسلام بينما يغدر به الآخرون. 
هذا يفسر لماذا نرى الدول تزيد من ميزانيات الدفاع، فهى «لعبة خوف» متبادلة، ولا يبدو أن العالم سينهى تلك «المباراة» قريبًا، بل المقلق أن بعض التقديرات ذات القيمة تشير إلى أن الفصول الحاسمة من «لعبة الخوف» قد بدأت للتو، وأن هذه المباراة لن تُحسم كما اعتاد هواة قراءة التاريخ ومتابعو مباريات الملاكمة بـ»الضربة القاضية» بل ستكون مباراة يحسمها كسب النقاط ببطء، واستنزاف الخصوم لجرهم إلى مربع الإنهاك.
■■■
مناقشة مستقبل العالم ستكون واحدة من أهم القضايا المطروحة على أجندة منتدى دافوس 2026، المعروف رسميًا باسم الاجتماع السنوى للمنتدى الاقتصادى العالمى، والذى يشارك فيه الرئيس عبد الفتاح السيسى، ومن المقرر أن يلتقى على هامش جلساته بالرئيس الأمريكى دونالد ترامب، للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وبحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة بما يخدم مصالح البلدين ويعزز الاستقرار الإقليمى والدولى.
ولعل انعقاد هذا المنتدى رفيع المستوى فى هذا التوقيت الدقيق يمثل فرصة للإطلال من بعيد على ما يدور فى عقل العالم، ومحاولة لفهم أبرز سمات التحول الجارى من حولنا، والذى تجد منطقة الشرق الأوسط نفسها فى قلب صراعاته وتحولاته.
ومنتدى دافوس أو كما يحلو للبعض تصويره على أنه اجتماع «مجلس إدارة العالم» عادة ما يكون فرصة لمشاركة أبرز قادة الدول ورؤساء المنظمات الدولية والإقليمية، إلى جانب ممثلين عن كبرى مؤسسات القطاع الخاص، ويناقش طيفًا واسعًا من القضايا الحيوية بداية من تأثير الصراعات السياسية على الاقتصاد العالمى، وصولًا إلى قضايا المناخ وحتى الصحة النفسية والتحول الرقمى.
على طاولة المنتدى هذا العام أجندة متخمة بالأحداث والقضايا والمناقشات والمخاوف أيضًا، وستكون منطقة الشرق الأوسط مستلقية على طاولة التشريح فى «دافوس»، ترتعش أطرافها، ليس بسبب صقيع المدينة السويسرية التى تكسوها الثلوج البيضاء، بل من توتر كامن يجعلها حائرة بين خوف ورجاء.. الخوف من مواجهات قادمة غير محسوبة العواقب تلوح نذرها على شواطئ أهم ممراتها الملاحية فى الخليج العربى والبحر الأحمر، ورجاء فى أن تشهد المنطقة موجة من التسويات والتهدئة تبرّد مناطق الاشتعال والالتهاب الحاد المنتشرة التى تطغى على وجه الجسد الشرق أوسطى.
الحقيقة تقتضى الإشارة إلى أن حالة الترقب والتحول التى يشهدها العالم لا ينبغى ولا يجوز اختزالها فى تحولات منطقتنا، بل هى أكبر من ذلك بكثير، لكننا اعتدنا دائمًا أن نكون فى مركز العواصف، وفى قلب التحولات، ومراكز الزلازل دائمًا ما تكون الأكثر استشعارًا وخشية لأبسط الهزات، فما بالنا إذا كان العالم يترقب موجة من الزلازل المدوية؟! 
ويبدو أنه كُتب على هذا الجيل الذى عايش ما بعد انتهاء الحرب الباردة، وصعود القطبية الأحادية، أن يواصل متابعة ما تبقى من فصول درامية فى سيناريو «انتقال القوة»، بداية من  هجمات 11 سبتمبر 2001، وما أعقبها من إطلاق حرب عالمية ضد «الإرهاب» والشظايا المتناثرة جراء حروب عدة على امتداد الخريطة العالمية من غزو العراق وأفغانستان، وصولًا إلى الحرب فى أوكرانيا، وضربات «ما بعد منتصف الليل»، التى تصلح أن تكون عنوانًا لفصل درامى جديد يشهده العالم حاليًا.
فضربات «ما بعد منتصف الليل» الأمريكية باتت واحدة من أدوات صناعة السياسة العالمية، ومؤشرًا على ملامح جديدة لتشكيل وجه العالم القادم، شهدنا فى منتصف العام الماضى ضربات «مطرقة منتصف الليل» والتى استهدفت البرنامج النووى الإيرانى، وأعقبتها أيضًا عملية أخرى بعد منتصف ليل العاصمة الفنزويلية كاراكاس نفذها الجيش الأمريكى لـ»اعتقال» الرئيس نيكولاس مادورو وحملت اسم «عملية العزم المطلق»، وربما يترقب العالم تحرك الطائرات الأمريكية بعد منتصف ليلة مقبلة لتنفيذ ضربة جديدة فى الشرق الأوسط، لا تزال معلقة بتحركات على الأرض فى طهران وقرارات تُصنع فى أروقة البيت الأبيض.
عمليات «ما بعد منتصف الليل» ليست تعبيرًا فقط عن القوة والرغبة الأمريكية فى حسم الصراعات بضربات سريعة ومكثفة وبأقل تكلفة، لكنها إيذان بمرحلة مختلفة فى إدارة السياسة الدولية، تتجسد ملامحها فى ذلك النهج الخاطف والرغبة فى إنهاء الأمور التى استغرقت سنوات من الشد والجذب بسبب تعقيدات إدارة العلاقات الدولية التقليدية، ليجرى حسمها فى ساعات وربما فى دقائق وفق توقيت الرئيس الأمريكى، الذى يقيس أعقد القضايا السياسية بحسابات الربح والخسارة وبمنطق التكلفة والعائد، كما يميل إلى إنهاء الأمور سريعًا، فالوقت بالنسبة له هو الثروة، وما يبيت عليه العالم قد يتغير فى الصباح بأسرع مما يتخيل أحد، ونهار واشنطن كثيرًا ما يأتى بينما العالم يغط فى سبات عميق!
■■■
«أمريكا أولاً» لم يكن مجرد شعار انتخابى عابر، بل كانت مطرقة «نحت» حادة أعادت تشكيل التضاريس الجيوسياسية للعالم، لقد هدم ذلك الشعار ركائز نظام عالمى قائم على التعددية، ليبنى فوق أنقاضه نظاماً جديداً تتصدره المعاملات الثنائية والقوة الأحادية.
هذا التحول الذى قاده الرئيس دونالد ترامب غيّر بشكل جذرى من ديناميكيات الصراعات وأدوات التأثير العالمية، وظنى أن التغيير الذى يقوده الرئيس الأمريكى فى نهج إدارة العلاقات الدولية أكبر وأعمق من أن نحصره فقط فى شخص الرئيس أو المجموعة التى تعاونه فى إدارة السياسة الدولية فى المرحلة الراهنة، بل إن التاثير الذى سيحدثه ذلك التحول على وجه العالم سيبقى طويلًا حتى بعد مغادرة الرئيس ترامب للمكتب البيضاوى.
المشهد الجديد فى العالم يتسم بما يمكن أن نسميه «الفوضى المنظمة»، حيث تتفكك الشبكات التقليدية ويُعاد تعريف القوة، ويراجع العالم أوراقًا جرى ترتيبها منذ أكثر من 80 عامًا عندما انتهت آخر حروبه العالمية، وربما يجرى أمام أعيننا  فتح ملف جديد عنوانه الأبرز: «الحرب العالمية الثالثة»!
يصف ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية (Council on Foreign Relations)، هذا التحول بدقة فى كتابه «عالم فى حالة اضطراب» بقوله إن «النظام الدولى اليوم لم يعد نظامًا أحادى القطب ولا ثنائى القطب ولا متعدد الأقطاب، إنه نظام بلا قطب أساسًا، لقد انتهت حقبة ما بعد الحرب الباردة، وندخل حقبة من التنافسية الكبرى والفوضى».
فى هذا العالم الجديد، لم يعد مفهوم «الشراكة» كما كان، فالعلاقات أصبحت «صفقات» قابلة للتفاوض أو الإلغاء فى أى لحظة، مما يجبر الدول على إعادة التفكير فى تحالفاتها والاعتماد على الذات.
بل إن السياسة فى حد ذاتها بات يعاد النظر فى تعريفها وممارستها، إذ تتحول من فن للحكم إلى فن للربح وتحقيق المكاسب أيضًا، بعدما تحولت التحالفات السياسية والعسكرية إلى سلعة قابلة للتصدير ومورد واعد لجنى الأرباح.
وما يجرى فى نهر العلاقة بين الولايات المتحدة وحلف «الناتو» من تغيرات عميقة وكبيرة ليس أمرًا عابرًا أو سحابة صيف كما يُقال، بل هو إعادة تشكيل لقواعد اللعبة، فالحلفاء الأوروبيون عليهم أن يدفعوا ثمن الحماية الأمريكية، وكوريا الجنوبية يتعين عليها أن تدفع مقابل بقاء المعدات الأمريكية على أراضيها، واليابانيون مطالبون أن يشتروا صفقات تسليح بسخاء إذا ما أرادوا أن يحافظوا على رفاهيتهم الاقتصادية.
بل إن شكل الحروب فى حد ذاته يتغير، فلم يعد الصراع على السيطرة والهيمنة، بقدر ما يرتبط بالعائدات الاقتصادية، وصراعات المعادن النادرة تصلح أيضًا لتكون ملمحًا لفهم حقيقة ما يشهده العالم من تغير، فأوكرانيا عليها أن تدفع من معادنها النادرة مقابل الحصول على السلاح للحفاظ على مواقعها فى حرب يعرف الجميع أنها لن تُحسم فى ميادين القتال بل على طاولة تفاوض يجلس الرئيس الأمريكى على رأسها، والدنمارك عليها أن تعترف بالواقع وتدرك أن «جرينلاند» مهمة للأمن القومى الأمريكى ليس فقط لحسابات الموقع، بل وفقًا لأرقام المعادن النادرة التى تمثل أولوية أمريكية فى صراعها مع الصين.
حتى صياغة نظرية الأمن القومى لم تعد تقتصر على تلك المعايير القديمة القائمة على حماية الحدود، بل صارت تتمدد باتساع دائرة المصالح، والتحالفات فى عالم اليوم لم تعد قائمة على الاعتبارات الأيديولوجية أو العلاقات طويلة الأمد، بل باتت تعتمد صيغة التحالفات على أساس المصالح المشتركة، وهذه المصالح هى معيار تحديد الحلفاء والخصوم، وأساس تحول الدول المعادية إلى دول صديقة.
■■■ 
من السذاجة - إذاً- تصور أن التحولات التى يشهدها العالم حاليًا مجرد «طفرة عشوائية» أو نتاج لتأثير شخص، حتى لو كان ذلك الشخص هو رئيس أقوى دولة بالعالم، فما يجرى اليوم هو جزء من تقويض لأسس النظام الليبرالى الذى روج بعض المفكرين له بأنه «نهاية التاريخ»، واللافت أن تفكيك أسس ذلك النظام لا يأتى من خارجه بل من داخله، وعلى يد الذين قاموا ببنائه وسوقوا بريقه للعالم، فقد أدرك هؤلاء أخيرًا أن عقيدة «القيم» لا تدر ما يكفى من عائدات، وأن أسلوب «الصفقات» أجدى نفعًا فى تحقيق أهداف «الهيمنة والسيادة» من التحالفات طويلة الأمد التى باتت مرتفعة التكلفة.
الشكل الجديد للعالم فى ظل هذه التحولات ووفقًا لنظرية «المباراة» هو عالم تسوده «اللاثقة» وحالة من «عدم اليقين الاستراتيجى Strategic Uncertainty»،  فالصراعات ستكون أكثر اقتصادية فى طبيعتها وأكثر وحشية فى أدواتها، والدول الصغيرة والمتوسطة ستجد نفسها مضطرة للاختيار بين القوى العظمى المتنافسة، بينما تضعف المؤسسات الدولية التى كانت توفر شبكة الأمان.
المشهد النهائى  الذى يبدو أنه يتشكل أمام أعيننا هو نظام دولى متصدع، حيث السيادة للقوة الأحادية والصفقات الثنائية، وحيث الأمن والاستقرار أصبحا سلعة نادرة تتطلب ثمنًا باهظًا من المواءمات السياسية والاقتصادية. 
ولن يكون الأمر مقتصرًا فحسب على مراجعة الكثير من النظريات التى حكمت عقل العالم وسلوكياته فى المجال السياسى، لكنه سيطال العديد من الأفكار الكبرى التى هيمنت على العالم طيلة العقود الأربعة الأخيرة، ومنها فكرة «العولمة» نفسها، إذ من المرجح أن تشهد العولمة تحولًا جذريًا نحو «عولمة انتقائية» (Selective Globalization) أو «إعادة عولمة» (Reglobalization) تحركها المصالح الوطنية والأمن القومى، بدلًا من الاختفاء التام أو الاستمرار بصورتها التقليدية التى كانت سائدة طيلة العقود الأخيرة.
العولمة بصورتها التقليدية التى تعنى إزالة الحدود أمام حركة السلع والبشر حول العالم، والقائمة على سلاسل إمداد عالمية مترابطة وكفاءة اقتصادية قصوى آخذة فى التراجع، ومن المتوقع أن تعطى الدول فى الفترة المقبلة الأولوية لأمن سلاسل الإمداد والإنتاج المحلى للسلع الاستراتيجية (مثل أشباه الموصلات، الطاقة، والمعادن النادرة) على حساب خفض التكاليف، حتى لو أدى ذلك لزيادة التكاليف الإجمالية، وأن تعتمد على «التوريد الودود» (Friend-shoring)، حيث ستفضل الشركات والدول بناء سلاسل إمداد مع شركاء يعتبرونهم موثوقين ومتوافقين سياسيًا، مما يخلق تكتلات اقتصادية قائمة على التقارب الجيوسياسى بدلًا من القرب الجغرافى والكفاءة الاقتصادية.
ووفقًا لتحليل نشرته مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى (Carnegie Endowment for International Peace) ، فإن «تسييس التجارة واستخدام التبعية الاقتصادية كسلاح جيوسياسى يقوض النظام العالمى القائم على القواعد ويخلق سوابق خطيرة قد تستخدمها قوى أخرى فى المستقبل». 
■■■
ورغم كل تلك المخاوف ودواعى القلق، إلا أن هذا المشهد يكمن فى ثناياه العديد من الفرص أيضًا، فالرغبة الأمريكية والتراجع الغربى عمومًا عن الانخراط فى صراعات العالم، لصالح التركيز على الانخراط الأعلى ربحية، يمكن أن يكون فرصة للعديد من الدول التى تستطيع فهم قواعد اللعبة العالمية فى تحولاتها الجديدة، وتضع نفسها فى سياق القدرة على أداء أدوار متقدمة فى مشهد التحول العالمى، عبر بناء توافقات واسعة وتحالفات مرنة لكنها قوية، وإدراك لمصالحها ومصالح القوى الأخرى، واستخدام مزيج من القوة الصلبة والناعمة لتوسيع نطاق الأدوار التى تقوم بها تلك القوى الصاعدة على سلم النفوذ الإقليمى والدولى، بما يحمى مصالحها، دون أن يهدد مصالح القوى الدولية، وهى معادلة دقيقة وصعبة، لكنها ليست مستحيلة.
وإدارة تلك المعادلة تتطلب نوعية خاصة من القادة الأقوياء، القادرين على تجاوز العقبات الأيديولوجية والقيود البيروقراطية والتصورات الرومانسية، ويتحلون بواقعية تمكنهم من قراءة المشهد العالمى بعمق، ويجيدون استخدام الأدوات المتاحة لديهم لتحقيق أعلى فاعلية ممكنة، وأقصى حماية لمصالحهم الوطنية.
كما يتطلب التعامل مع متطلبات تلك المرحلة الملتبسة من تاريخ العالم ـ نوعا من القادة الذين ينطلق نظرهم إلى آفاق أبعد كثيرا من المصالح الضيقة التى قد تقيد تحركهم، وأن يجيدوا توظيف قدرات أوطانهم ويضاعفوا فاعلية العمل والدور الذى يمكن أن تقوم به دولهم فى حقبة لا تحترم سوى الأقوياء ومن يمتلكون القدرة على إنفاذ إرادتهم، دون الانزلاق فى مواجهات مجانية أو معارك هامشية.
ولعل الارتياح الذى يبديه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للتعامل مع العديد من القادة الأقوياء فى العالم، ومنهم الرئيس عبد الفتاح السيسى يمثل تجسيدًا لرؤية أن التعامل مع التحولات العالمية الراهنة يتطلب شجاعة وجسارة وجرأة فى اتخاذ القرار، دون التخلى عن الحكمة والحنكة فى تقدير الموقف، والمسئولية فى اتخاذ القرار.
والحقيقة أن التقدير الأمريكى لمصر عامة ولشخص الرئيس السيسى على وجه الخصوص لم يأت من فراغ، فهو نتيجة إدراك عميق لطبيعة التعقيدات التى تعانيها منطقة الشرق الأوسط، وعمق الدور الحيوى الذى تقوم به القاهرة فى أحلك اللحظات وأعنف المنعطفات، فضلًا عن أن تقدير الرئيس ترامب للرئيس السيسى يسبق الحقبة الراهنة من أزمات المنطقة، فمنذ الفترة الرئاسية الأولى للرئيس ترامب وهناك تقدير عميق لقيمة ورؤية الرئيس السيسى، وهو أيضًا تقدير متبادل من جانب القيادة السياسية المصرية، التى استطاعت استثمار العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن، والرغبة الرئاسية الأمريكية فى إحداث اختراق فى أزمات المنطقة لتحقيق مكسب كبير بوقف الحرب فى المنطقة، والتى كادت أن تتحول إلى حرب إقليمية شاملة، وكان مشهد مؤتمر شرم الشيخ للسلام، والذى أعلن وقف إطلاق النار فى غزة مثالًا لنجاح كبير وتتويج لعمل مثمر يمكن أن يتكرر فى ملفات وأزمات لا تقل تعقيدًا عن الوضع فى غزة، إذا ما صدقت النيات وأخلص العمل.
وربما تأتى الرسالة الأخيرة التى وجهها الرئيس ترامب، إلى الرئيس السيسى فى هذا السياق، فالإشادة المستحقة بالدور الذى قام به الرئيس السيسى فى وقف الحرب فى غزة، والدور المحورى الذى تقوم به مصر فى إطفاء الحرائق بالشرق الأوسط، والقدرة المصرية اللافتة على التمسك بحماية مصالحها الوطنية وأمنها القومى دون تجاوز أو عدوان على حقوق الآخرين، أمر يثير إعجاب رئيس أقوى دولة فى العالم، ويدفعه إلى عرض القيام بوساطة فى ملف السد الإثيوبى، الذى يدرك الرئيس ترامب قبل أى شخص آخر مدى الحكمة وضبط النفس الذى مارسته القاهرة فى إدارته، فى مقابل تعنت متعمد واستفزازات متكررة من الجانب الآخر.
المرحلة المقبلة من تاريخ العالم ستكون الغلبة فيها لمن يستطيع أن يبنى شبكة ممتدة من العلاقات القائمة على المصالح، ويجيد وضع نفسه فى المكان والمكانة والتوقيت المناسب لصناعة التاريخ، كما يبدى مهارة فى توظيف الأدوات الاقتصادية لخدمة السياسة والعكس صحيح، الأمر الذى يجسد نموذجًا للحكم الفعال ويتخطى بطء البيروقراطية وتعقيداتها، ويتجاوز التردد وما يهدره من فرص سانحة.
■■■
باختصار.. لن تختفى كل ملامح العالم الذى نعرفه دفعة واحدة، بل سيعاد تشكيل تلك الملامح، ليصبح مستقبل هذا العالم أكثر حذرًا وانتقائية، مدفوعًا بالضرورات الأمنية والسياسية بقدر ما هو مدفوع بالفرص الاقتصادية.
إن «نظرية المباراة» التى تبدو الأكثر تفسيرًا لواقع العالم حاليًا تخبرنا بوضوح، أنه فى عالم اليوم لم يعد هناك رابح يربح كل شىء وخاسر يخسر كل شىء، النجاح لم يعد يتمثل فى سحق الخصم، بل فى القدرة على إقناعه بأن مصلحته تكمن فى بقائك. 
العالم فى منعطفه الراهن لا يحتاج إلى من يتقنون فن الهجوم، بل إلى عقول تجيد هندسة التوازن على طاولة توزيع المصالح المشتركة، وربما تخرج من بين ثلوج دافوس مبادرات وتحركات كبيرة تجعل العالم أقل ضبابية.. وهذا ما نأمله ونرجوه.

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية