تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
أولويات الإصلاح المصرى والتجارب الملهمة
أحد أهم ركائز الإصلاح المبتغى هو إصلاح الإنسان، وبناء أجيال قادرة على أن تكون رصيدًا مضافًا للمستقبل، لا عبئًا ثقيلًا على الحاضر، وهذا ما بدأته الدولة بشكل متدرج ومدروس عبر برامج متنوعة للتأهيل والتدريب، وصولًا إلى العمل على تحديث البنية التعليمية وربطها بمتطلبات الدولة وأولويات الاقتصاد.
شاء القدر أن يتزامن التعديل الوزارى الجديد مع عدد من اللحظات ذات الدلالة التى تستوجب تأملًا وتحليلًا متعمقًا يتجاوز قراءة الأحداث الآنية، ومتابعة ما يدور فى نهر الحياة اليومية.
فى هذا العام يكتمل عقد ونصف على واحدة من أعقد العواصف التى مر بها التاريخ المصرى الحديث والمعاصر ممثلًا فى أحداث 2011 وما تلاها من تطورات لا تزال تداعياتها شاخصة أمام أعيننا، ليس فى مصر وحدها، ولكن فى المنطقة برمتها، التى لا تزال إلى اليوم تسعى نحو «فترة نقاهة» من جراحة القلب المفتوح التى أجريت بلا تخدير وكان العالم كله يتابع وقائع تلك الجراحة الصعبة على الهواء مباشرة منقولة من ميادين العواصم العربية.
بعض الدول وفى مقدمتها مصر - بحمد الله وفضله- وجدت طريقها إلى التعافى، بينما دول أخرى لا تزال تسعى إلى ذلك ما استطاعت إليه سبيلًا، بينما البعض الآخر لا يزال يتخبط فى ظلمات الصراعات والحروب الأهلية والفوضى الداخلية والانقسامات، تتناوشه أياد عدة من الداخل والخارج.
مرور 15 عامًا على ذكرى يناير 2011 تزامنت مع حديث غير مسبوق للرئيس عبدالفتاح السيسى عن أهمية الإصلاح المتعمق والشامل للدولة المصرية، وقد فتح هذا الحديث، بتلك النبرة الصريحة والتى تجسد عمق الإدراك لقسوة الظروف التى مرت بها البلاد، واتساع الحلم الذى يسعى الرئيس إلى الانطلاق نحوه، أفقًا نحو تأمل ماذا قدمت مصر من إصلاح، وما تطمح إليه من انطلاقة تجسد رؤية قائد آمن بوطنه، وتحمل المسئولية فى أصعب لحظات هذا البلد، وكانت احتمالات النجاة تتساوى - بل ربما تقل كثيرًا - عن احتمالات الضياع لا قدر الله.
كما يعكس ذلك الأفق تطلعات شعب ظل يستمع إلى مصطلح «الخروج من عنق الزجاجة» على مدى أجيال، دون أن يرتقى خياله إلى إمكانية «كسر» ذلك العنق الخانق عبر إصلاح شامل ومتدرج وطويل الأمد، لا يرتبط بشخص ولا يقتصر على مرحلة، ولا يتلون بلون سياسى، بل يمثل إرادة شعب، لديه رصيد هائل من الماضى، ويريد أن يكون لديه نفس الرصيد - إن لم يكن أكبر - فى المستقبل.
■ ■ ■
لعل أول الدروس التى يجب أن تترسخ فى وعى المواطن المصرى والعربى بعد أحداث جسام طيلة السنوات الخمس عشرة الماضية، هو أن «النهج الثورى» وفق المفهوم الشائع لدى عموم المثقفين والناس حول التغير السريع والتحول المفاجئ للأحوال ليس سوى لحظة رومانسية قصيرة الأمد يعقبها ندم طويل المدى، وأن ذلك النهج المفاجئ فى التغيير يقود فى معظم الأحيان - إن لم يكن فى كلها - إلى السقوط فى وحل ثقيل من الانقسامات والاستقطابات وتصفية الحسابات، تبتعد بالواقع عن المطالب الحقيقية للناس وتدخل الأوطان فى مستنقع من الفوضى، تستغرق سنوات طويلة، وربما أجيالًا كى تنجو بنفسها وتعوض خسائرها.
يبدو نهج الإصلاح المتدرج، القائم على رؤية وبصيرة واضحة لطبيعة الأحوال، والواقعية فى تقدير الموارد والأهداف هو النهج الأصلح لمنطقتنا، بعيدًا عن زيف الشعارات الثورية الكبيرة التى دفعت أجيال قبلنا، ودفعنا نحن ولا نزال - أثمانًا فادحة لنكتشف أنها كانت مجرد بريق خادع، وسراب قاد إلى هاوية سحيقة من الأزمات المتراكمة، وتأجيل للإصلاحات الواجبة، وهروب متكرر من مصارحة الذات بحقائق الواقع.
نعم.. الإصلاح المتدرج القائم على العلم والعمل، والذى يراعى القدرات الذاتية، ويسعى إلى تنميتها بأدوات جدية ومشروعات مدروسة، واستلهام لتجارب البناء المشابهة، وتطويع القدرات والكفاءات لبناء رؤية واقعية قابلة للتحقق هو السبيل الوحيد لإنجاز شىء ما حقيقى ومتماسك، يبقى ويستمر ويضيف كل فرد فى المجتمع لبنة فيه، وتستفيد منه أجيال الحاضر، ويتراكم البناء به من أجل المستقبل.
بينما البحث عن «ثورات» أو محاولة إشعالها أملًا فى تغيير الواقع بعصا سحرية تنقل الناس فى يوم أو بعض يوم من حال إلى حال، هو أمر لا يوجد سوى فى الروايات الخيالية، لا فى كتب التاريخ، فالتاريخ يسجل أن الإصلاح كان هو كلمة السر فى بناء الحضارات ومسارات الأمم والشعوب، وأن الثورات ربما كانت شرارة مبهرة تضىء للحظات، لكنها سرعان ما تنطفئ وتتحول إلى ظلمة حالكة، إذا لم تجد أبطالًا وقادة يأخذون تلك الشرارة ويحولونها إلى قبس من نور يضيئون به الطريق لشعوبهم، لا شعلة نار يحرقون به مصائر أوطانهم.
حتى الثورات الكبرى فى تاريخ العالم كالثورة الفرنسية، استغرقت سنوات حتى يدرك الناس أن الإصلاح هو المسار الصحيح، وأن بناء مصائر الشعوب لا يأتى بالشعارات بل بالعمل المضنى على الأرض، وامتلاك أدوات القوة والعلم والفكر والوعى والثقافة والتعليم، والحفاظ على تراكم طويل الأمد فى مسار مخطط له وبأهداف واضحة لا تتغير وفق أهواء آنية، بل تمثل تمسكًا من جانب المجتمع قبل أن تكون التزامًا على مستوى السلطة.
هكذا تغيرت أحوال أوروبا، وبنت الولايات المتحدة قدراتها، وتبدلت حال الصين من دولة يمزقها الجوع والفقر إلى إمبراطورية اقتصادية عظمى، واستطاعت كوريا الجنوبية التى كانت قبل بضع عقود أفقر من معظم دول إفريقيا أن تصنع تجربة يستلهمها العالم إلى اليوم فى التقدم الصناعى، ونجحت البرازيل فى تقديم نموذج تنموى يراعى ضرورات التقدم دون أن يتخلى عن البعد الاجتماعى.
■ ■ ■
بعد مرور 15 عامًا على أحداث ما يحلو للبعض تسميته بـ «الربيع العربى» تدخل مصر مرحلة حاسمة من الإصلاح الهيكلى تستهدف التحول نحو نموذج اقتصادى قائم على الإنتاج والتصدير، نتعلم من تجارب سبقتنا، ونستلهم خبرات دولية ناجحة لدول مثل كوريا الجنوبية والبرازيل، لكننا أيضا نفهم وندرك ظروفنا جيدًا، خاصة أننا نعيش فى منطقة متلاطمة التحولات، تتناوشها الصراعات، وتتوالى فى جنباتها الانفجارات.
نجحت مصر فى ظل قيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى بتحقيق الكثير من الإصلاحات الجادة والعميقة، التى لم تستسلم لعبارة «ليس فى الإمكان أبدع مما كان»، بل حاولت أن تحقق أقصى استفادة ممكنة من الموارد المتاحة ماديًا وبشريًا، وأن تعيد توظيف تلك الموارد بشتى الصور لتحقيق أكفأ استثمار ممكن للحجر والبشر.
لكن تلك الإصلاحات على أهميتها وقيمة ما حققته تبقى مجرد خطوة على طريق طويل وممتد وحتى بلا نهاية، فكل إصلاح تعقبه الحاجة إلى إصلاح أعمق وأشمل، وكل نجاح يستوجب بالضرورة نجاحات أكبر للحفاظ على ما تحقق فضلًا عن الإضافة إليه، وهذه الفكرة هى جوهر ما عبر عنه الرئيس السيسى نفسه، الذى يبدو طموحه لوطنه أكبر وأبعد كثيرًا من طموحات المواطنين الذين يفترض أن يكون سقف تطلعاتهم دائمًا أعلى مما تسعى إليه أية سلطة حاكمة.
ومن الواضح أن الرئيس السيسى لا يتعامل مع الأمور باعتباره رأس السلطة التنفيذية، بل بوصفه فى المقام الأول والأخير إنسان مصرى عاشق لوطنه، أتاحت له الأقدار أن يمتلك إرادة الإصلاح والقدرة على تقديم شىء لوطنه، وهو لا يرضى أن يكون ما يقدم للوطن فى حده الأدنى، بل يسعى دائما إلى أن يكون العطاء بالحد الأعلى والطاقة القصوى.
واليوم عندما أتأمل ما تحقق خلال السنوات الماضية، وأقرأ تلك التجارب الكبرى للبناء والعمران فى العالم، أشهد وبكل صدق وتجرد، أننا على المسار الصحيح، وأننا قطعنا خطوات لا ينكرها سوى جاهل أو حاقد، وأنه لولا محاولات التشويش والتشويه المتعمدة لكانت التجربة المصرية - وهى كذلك فى عيون المنصفين حول العالم - واحدة من التجارب الملهمة للخروج من حالة الفوضى والتآكل، إلى صناعة الأمل فى واقع أفضل، والانطلاق نحو مستقبل ملىء بالفرص.
■ ■ ■
هكذا أتأمل مسار الدولة التى تستهدف تعزيز دور القطاع الخاص، وتطوير الصناعات التحويلية، والاستثمار فى رأس المال البشرى، مع استهداف معدلات نمو تتراوح بين 4.4٪ و5.3٪ خلال العام المالى 2025/2026، فألمح استلهامًا لتجربة كوريا الجنوبية التى اعتمدت على نموذج صناعى موجه نحو التصدير بدعم من تكتلات القطاع الخاص الكبرى «التشابول»، وهو ما يُعتبر تاريخيًا أكثر نجاحًا واستدامة.
وعندما أتابع ما يجرى من جهود لتوطين الصناعة، أستعيد تجربة البرازيل التى ركزت على التصنيع بهدف إحلال الواردات والاعتماد المكثف على الشركات المملوكة للدولة.
وعندما أرصد خريطة التحرك السياسى والدبلوماسى المصرى على الخطوط الشائكة والمشتعلة من حولنا، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص أتذكر تجربة الصين التى قدمت الكثير من التضحيات، سواء نتيجة ظروفها الداخلية القاسية، أو التحديات المحيطة بها، لكنها اعتمدت نهجًا واقعيًا للبناء الشامل على كل المستويات، وركزت على بناء قدراتها الذاتية، دون أن تفرط فى أهمية الشراكة الاستراتيجية الشاملة وتفعيل مبادرات مثل «الحزام والطريق» لتعزيز التبادل التجارى وجذب الاستثمارات فى المشروعات العملاقة.
هذه الدول لم تبدأ من رفاهية الاستقرار، بل خرجت من رحم حروب أهلية، استعمار، أو فوضى سياسية عارمة، وقد تطلب الانتقال من «الدولة الهشة» إلى «الدولة التنموية» خطة إصلاحية عميقة ومتدرجة وفى الوقت ذاته سريعة النمو فى قطاعين هما العمود الفقرى لأية تجربة بناء ونهضة حقيقية: التعليم والبنية التحتية.
■ ■ ■
البنية التحتية فى هذه الدول كانت وسيلة لخفض تكلفة الإنتاج وجذب الاستثمار، والبنية التحتية فى مصر لم تكن رفاهية، بل كانت طوق نجاة لاقتصاد متهالك، ووسيلة لتوفير فرص عمل، وتأهيل لقدرة دولة تآكلت أدواتها وتهالكت عبر عقود من الاستهلاك دون تجديد أو إضافة حقيقية.
الصين اعتبرت البنية التحتية محفزًا للنمو «Infrastructure-led Growth» بعد عقود من الاضطراب، اعتمدت الصين قاعدة «إذا أردت أن تصبح غنياً، فابنِ طريقًا أولًا»، ولم تكتفِ بالمدن الكبرى، بل ربطت القرى بالموانئ، هذا الربط قلل «التكلفة اللوجستية» للمنتج الصينى، مما جعله الأرخص عالميًا.
البرازيل أيضًا كانت صاحبة تجربة فى هذا الشأن عندما واجهت تراجعًا اقتصاديًا حادًا، فاستثمرت فى بنية تحتية مخصصة للتصدير الزراعى، فطورت شبكات سكك حديدية وموانئ متخصصة «مثل ميناء سانتوس» لربط قلب الأراضى الزراعية بالعالم، مما جعلها عملاقًا فى تصدير الحبوب، والثروات الحيوانية والداجنة.
اليوم عندما تنطلق الدولة المصرية فى هذا المسار الواعد بتطوير شبكة الطرق والموانئ وتحديث قدراتنا اللوجيستية، تجد بعض ضعاف البصر والبصيرة يطلقون تشويشًا متعمدًا حول جدوى تلك المشروعات، بينما يتنطعون وهم يتحدثون عن تجارب دول أخرى بدأت كما بدأنا، وواصلت الطريق حتى نهايته.
البنية التحتية فى الصين والهند البرازيل وغيرها من تجارب النمو القريبة من ظروفنا لم تكن مجرد أبنية صماء، بل كانت ضرورة لتهيئة الاقتصاد من أجل العمل بفاعلية، وتوليد فرص العمل فى وقت كانت الأزمات تبدأ وتتمركز دائمًا حول الاقتصاد وتتفرع إلى مختلف أوجه الحياة من رغيف العيش، إعادة بناء مؤسسات الدولة.
وهذا ما تحاول مصر العمل عليه من خلال إعادة بناء القدرات التى بدأت بالبنية التحتية، وانطلقت إلى بناء الإنسان، واستعادة قدرة مؤسسات الدولة على العمل والفعل المنتج، رغم التراكمات البيروقراطية والقيود المتوارثة على مدى أجيال، والتى نتج عنها اختلالات غير خافية فى معدلات الكفاءة ومعايير التقييم، وفرضت ضرورة تجديد الدماء بصورة متدرجة تحقق الهدف ولا تقود إلى اختلال توازن تلك المؤسسات، أو الإضرار بقدرتها على أداء واجباتها والوفاء برسالتها.
وهنا يجب التنويه مجددًا بأهمية الإصلاح المتدرج، القائم على رؤية وروية بعيدًا عن الانجراف وراء أسلوب الصدمات أو التغييرات غير المحسوبة، وهو ما يجعل المشروع الإصلاحى الراهن يحدث أثرًا عميقًا، دون صخب أو ضجيج، فضلًا عن إدراك أن الإصلاح الحقيقى هو ما يخاطب الجوهر، ويعالج الجذور، لا ما يبقى سطحيًا مقتصرًا على قشرة الأمور.
■ ■ ■
أحد أهم ركائز الإصلاح المبتغى هو إصلاح الإنسان، وبناء أجيال قادرة على أن تكون رصيدًا مضافًا للمستقبل، لا عبئًا ثقيلًا على الحاضر، وهذا ما بدأته الدولة بشكل متدرج ومدروس عبر برامج متنوعة للتأهيل والتدريب، وصولًا إلى العمل على تحديث البنية التعليمية وربطها بمتطلبات الدولة وأولويات الاقتصاد.
وهنا أعود أيضًا إلى العديد من التجارب الدولية الملهمة، التى كانت مطالب الاستفادة منها، من بين الأمور المتكررة على ألسنة المتخصصين، فالتعليم لم يكن التعليم فى تجارب الصين وكوريا الجنوبية مجرد خدمة اجتماعية، بل كان «مشروعًا للأمن القومى»، وهذا ما سعت إليه الدولة المصرية بالفعل خلال السنوات الأخيرة وبموارد ذاتية، وبما يسهم فى توفير احتياجات الاقتصاد من خريجين مؤهلين ولديهم مهارات حقيقية يحتاجها سوق العمل، لا شهادات ورقية مكانها جدران البيوت وأدراج المكاتب.
فى ستينيات القرن الماضى انطلقت تجربة كوريا الجنوبية من شعار «التعليم من أجل التصنيع»، فبعد الحرب الكورية «1953»، كانت كوريا أفقر من معظم دول إفريقيا، لكنها استطاعت أن تكسر دائرة الأزمات بعدما ركزت على التعليم الابتدائى لتوفير عمالة لمصانع النسيج. وفى السبعينات، انتقلت إلى التعليم الفنى والمهنى لدعم الصناعات الثقيلة، ونجحت فى ربط كل مرحلة تعليمية بخطة التصنيع الوطنية «Matching Skills to Industry».
فى تلك الفترة كانت كوريا تعانى من فائض فى خريجى الجامعات «العاطلين» ونقص فى «الفنيين» فأطلقت الحكومة مدارس «المايستر» «Meister Schools» التى تضمن وظيفة فورية براتب مجزٍ، وتم تصميم المناهج بواسطة اتحادات الصناعات وليست وزارة التعليم وحدها، واستطاعت فى سنوات معدودة أن تمتلك أجيالًا من الفنيين والكوادر المؤهلة التى قادت نهضتها الصناعية، وراكمت الخبرات التى مكنتها من أن تكون فى مصاف الدول المتقدمة صناعيًا وتكنولوجيًا.
واليوم تحاول مصر جاهدة المضى على هذا الطريق الصحيح عبر القضاء على «النظرة الدونية» للتعليم الفنى من خلال تنفيذ مشروعات واعدة فى «مدارس التكنولوجيا التطبيقية» التى تستهدف الوصول لـ 100 مدرسة بحلول 2030.
وفى تجربة فيتنام، وربما تكون النموذج الأقرب للتحدى المصرى، ورغم أنها دولة ذات دخل متوسط، إلا أن طلابها يتفوقون فى اختبارات «PISA» العالمية على طلاب دول غنية وتمثل السر فى التركيز على «جودة المعلم»، حيث وضعت فيتنام نظامًا صارمًا لتقييم المدرسين وربطت حوافزهم بنواتج تعلم الطلاب، مع التركيز الشديد على الرياضيات والعلوم «STEM».
وهو أيضًا ما تحاول مصر تطبيقه عبر تأهيل المعلمين وإحكام معايير الاختيار لكى يكونوا قاطرة الإصلاح، ومقدمة بناء أجيال مستنيرة تملك من المهارة والوعى ما يمكنها من تسريع وتيرة الإنجاز والتطور، وكسر المفاهيم القديمة حول مستوى التعليم والخريجين، وأنه لا يوجد من يعمل بشهادته!!
■ ■ ■
قيمة مهمة حاول المشروع الوطنى لبناء قدرات الدولة الشاملة أن يرسيها، وهى قيمة العدل الاجتماعى، والعدل هنا لا يقتصر على بناء صروح قضائية أو تحديث أدوات العدالة الناجزة، وهى مسألة بالغة الأهمية بكل تأكيد، لكن فكرة العدل أعمق وأشمل، فالعدل يقتضى منح الجميع فرصًا متكافئة فى الارتقاء والاستفادة من الفرص المتاحة فى المجتمع، فضلًا عن إرساء العدل فى توزيع التنمية، بحيث لا يستأثر بها إقليم، أو من يستطيع الوصول إلى متخذ القرار، وبما يضمن أن تكون التنمية حقًا للجميع أفرادًا ومجتمعات.
ولعل هذا أحد أسباب تطوير خطة تنمية شاملة لمختلف قطاعات الدولة وأقاليمها الجغرافية، وكذلك تطوير برامج لانتقاء الكوادر وتطبيق معايير عادلة وشفافة لاختيار المتقدمين لشغل الوظائف العامة، وبالتأكيد ما تحقق على أهميته لا يعدو أن يكون بداية طريق طويل للإصلاح، الذى لا ينبغى أن يقتصر على ما تقوم به الدولة، بل يجب ويتحتم أن يكون ثقافة مجتمع والتزامًا جمعيًا، يتجاوز النظرة المصلحية لفئة معينة أو طبقة اجتماعية أو اقتصادية.
وهنا لا بد من مصارحة وإن بدت قاسية، فالمجتمع لا يؤمن بقيمة العدل إيمانًا حقيقيًا يجعله ظهيرًا للتغيير المنشود باعتبار معايير الجدارة والكفاءة هى المحدد الوحيد لاختيار أو ارتقاء اجتماعى، ويكفى أن أشير على سبيل المثال إلى انتشار ظاهرة الغش فى الثانوية العامة، وما تقوم به أسر عديدة لمساعدة أولادها بصور شتى للحصول على ما لا تستحقه من درجات، والتفنن فى توفير الأدوات التى تمكنهم من أن يحصلوا على تقييم لا يعبر عن حقيقة مستواهم العلمى أو تحصيلهم الدراسى، وهو ما يؤدى إلى فشلهم لاحقًا عند الالتحاق بكليات ذات معايير تعليمية صارمة، أو حصولهم بالكاد على شهادات لا تمثل أية جدارة علمية أو إضافة مهارية لهم.
الإصلاح ينبغى ألا يكون فريضة على الدولة ومؤسساتها فحسب، فهذا شطر الحقيقة ونصف الواجب، بل الأهم أن يتحول الإيمان بالإصلاح إلى ثقافة مجتمع وعقيدة شعب، يتمسك بها ويدعو إليها، ويبذل فى سبيل تحقيقها كل غال ونفيس، بل ويوفر لها كل فرصة ويضغط على كل مسئول من أجل أن يعمل من أجلها، وأن يؤمن بقيمة تراكم ذلك الإصلاح ونموه عبر الزمن، فالبنيان المتين يستغرق وقتًا كى تتعزز ركائزه فى قلب التربة، قبل أن تلوح بشائره للعيون.
كما ينبغى أن نتحلى بقدر وافر من الموضوعية والثقة عند النظر إلى ما تحقق، وما نحن بصدد تحقيقه، فللأسف لدى كثيرين منا قدرة هائلة على إهالة التراب على ما ننجزه، فى مقابل المبالغة والتضخيم لنفس الإنجاز إذا ما جاء مستوردًا، فزامر الحى لا يطرب، والحكمة دائمًا هى ما يأتى به الغرباء!!
■ ■ ■
إن من يتأمل بعمق خطاب الرئيس عبدالفتاح السيسى فى الاحتفال بعيد الشرطة مؤخرًا، ومن بعده التكليفات الرئاسية للتشكيلة الجديدة لحكومة الدكتور مصطفى مدبولى، سيدرك بوضوح تلك الرؤية العميقة من جانب الرئيس لملامح الإصلاح المنشود والقائم على أن الإصلاح يبدأ بإعادة هيبة المؤسسات عبر الكفاءة «Meritocracy»، وأن الانحياز الكامل لتلك الكفاءة والجدارة هى معيار التقييم والاختيار، وينبغى أن تكون منهجًا متبعًا فى كل المؤسسات على اختلاف مستوياتها، وتباين أهدافها وأدوارها.
أخيرًا… إن الإصلاح فى مصر ينبغى ألا يكون مجرد أداة، بل يتحتم أن يكون منهج حياة. والسنوات الماضية لا بد أن تكون كافية لكى ندرك أن الإصلاح الشامل لا يكتمل إلا بـ «البناء المؤسسى» على أسس سليمة ودراسة وافية وواعية وخطوات متدرجة.. وأن العبور من «إدارة الأزمة» إلى «إدارة المستقبل» يتطلب جهدًا مضاعفًا من الدولة والمجتمع على حد سواء فالكل شريك فى البناء والجميع مسئول عن سلامة الزرع ورعايته قبل انتظار الحصاد.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية