تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
المجانين لا يصنعون التاريخ من همجية «أرناط» إلى تخاريف «هاكابى»
التاريخ لا تصنعه الأوهام، لكنه كثيرًا ما يُلطخ بالدماء بسبب «مجانين» اعتقدوا أنهم يحملون تفويضًا إلهيًا لإعادة رسم خرائط الأرض، فأخطر أنواع الاحتلال ليس ذاك الذى يحركه الجشع الاقتصادى أو السعى إلى الهيمنة فحسب، بل هو الذى يتخفّى وراء «الحديث باسم السماء»، حيث يتحول النص المقدس إلى «سند ملكية» والغزو إلى «فريضة»، والقتل إلى «قربان»!!
تمتلئ صفحات التاريخ بمجانين ومهاويس بأفكار متطرفة عدة، تصور هؤلاء أنهم قادرون على صناعة القدر وصياغة مصائر الشعوب بتوهماتهم وخرافاتهم. ومن المؤسف أن منطقتنا كانت مسرحًا لمغامرات أولئك المأفونين ومساعيهم لتحويل نبوءاتهم المضللة إلى واقع، فأرض الشرق كانت دائمًا هدفًا لمحاولات كل مجانين التطرف الدينى والقومى والعنصرى، وكثير منهم جاء بأفكاره تلك من قارات بعيدة، لكن رمال الشرق التى ارتوت بالدماء جراء ممارسات أولئك المهووسيين بفكرة «التفويض الإلهى» لهم لتغيير مصير العالم، صارت قبرًا لهم ولأفكارهم على السواء.
لكن الأشد أسفًا أن وأد تلك الأفكار فى عصور سابقة لم يكن مبررًا كافيًا لإقناع أجيال تالية من هؤلاء المجانين بالتراجع عما أثبتت الأيام خطأه وفضحت الأحداث زيفه، بل كان الأمر دافعًا لأن تأتى موجات متكررة من هؤلاء المتدثرين بأستار الدين، ظنًا منهم بأنهم قادرون على تحقيق ما لم يستطعه الأوائل!
والحقيقة المؤكدة التى يدركها كل قارئ متعمق لأحداث الماضى، هى أن التاريخ لا تصنعه الأوهام، لكنه كثيرًا ما يُلطخ بالدماء بسبب «مجانين» اعتقدوا أنهم يحملون تفويضًا إلهيًا لإعادة رسم خرائط الأرض، فأخطر أنواع الاحتلال ليس ذاك الذى يحركه الجشع الاقتصادى أو السعى إلى الهيمنة فحسب، بل هو الذى يتخفّى وراء «الحديث باسم السماء»، حيث يتحول النص المقدس إلى «سند ملكية» والغزو إلى «فريضة»، والقتل إلى «قربان»!!
لم أستطع وأنا أتابع تصريحات السفير الأمريكى لدى تل أبيب «مايك هاكابى» الأخيرة حول «إسرائيل الكبرى» و»الحق التوارتى لليهود فى الأراضى العربية»، إلا أن أستعيد سيرة أحد أغرب المهاويس عبر التاريخ، وهو القائد الصليبى «رينالد دى شاتيوه» (المعروف عربيًا بأرناط)، فما أشبه خطاب ذلك القائد الصليبى المهووس بإراقة الدماء العربية بما يتردد حاليًا على ألسنة ساسة يفترض أنهم يعيشون فى القرن الحادى والعشرين لا فى أظلم سنوات القرون الوسطى!!
إذا أردنا البحث عن الجذور الروحية لليمين المتطرف المعاصر، فلن نجد نموذجًا أوضح من «أرناط» الذى لم يكن مجرد قائد عسكرى صليبى، بل كان تجسيدًا لـ «الهوس الدينى» المنفلت من أى عقال سياسى أو أخلاقى.
كان «أرناط» هو الشخصية التى كادت أن تطيح بممالك الصليبيين قبل الأوان بسبب نزقه، فهو الذى نكث بكل العهود، وهو الذى تجرأ على مهاجمة قوافل الحجاج المسلمين فى طريقها إلى الأراضى المقدسة، بل ووصل به الجنون لمحاولة غزو مكة والمدينة بهدف نبش قبر النبى محمد صلى الله عليه وسلم.
كان «أرناط» يرى فى «الدين» رخصة للسرقة والقتل، وفى الأرض ساحة لتطبيق خيالاته الدموية، متجاهلًا أى اعتبارات أخلاقية أو تفاهمات سياسية، وهذا «الجنون الصليبى» هو ذاته الذى نراه اليوم يتناسخ فى وجوه وصور جديدة، يتولى أصحابها مناصب قيادية رفيعة ويمتلكون أحدث التقنيات، لكنهم لم يتخلوا بعد عن عقلية القرون الوسطى!
ذلك «الأرناط» لم يكن مجرد طفرة عشوائية فى سياق التاريخ، بل امتداد لدعوات أشعلها البابا أوربان الثانى الذى أطلق فى خريف عام 1095، صيحته الشهيرة «هذه إرادة الله»، محفزًا حشودًا من الغوغاء والفرسان لغزو المشرق العربى تحت ذريعة «تخليص القبر المقدس».
لم تكن تلك الحملات دفاعًا عن عقيدة بقدر ما كانت هروبًا من أزمات أوروبا الإقطاعية، فكانت النتيجة مجازر بشعة فى القدس لم تفرق بين مسلم أو مسيحى شرقى، والتاريخ هنا يسجل أن «التوظيف السياسى للمقدس» كان دائمًا الأداة المثالية لتبرير الوحشية.
واليوم، نشهد انبعاثًا لهذا الفكر فى أقبح صوره عبر تيار «المسيحية الصهيونية»، التى تبرر بدم بارد مذابح إسرائيل ضد الفلسطينيين العزل، وتسوق الذرائع للاستيلاء على أراضى ذلك الشعب المكلوم فى غزة والضفة الغربية، فهذا التيار الذى لا يرى فى فلسطين وطنًا لشعب، بل «ساحة انتظار» لنبوءات موتورة، وبالنسبة لهؤلاء فإن إسرائيل ليست مجرد دولة، بل هى «ساعة زمنية» مرتبطة بمعتقداتهم، حتى لو كان ثمن ذلك إبادة شعب واقتلاع جذوره.
إن المتأمل فى فكر رموز اليمين المتطرف فى إسرائيل، أمثال بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير وإلى من يساندهم من رموز تيار «المسيحية الصهيونية»، يجد أنهم «أرناطات» العصر الحديث، فكما كان ذلك القائد الصليبى المهووس يحتقر الهدنة ويسعى لتهجير العرب واستئصال وجودهم تحت مسمى «صليب الرب»، يخرج علينا هؤلاء اليوم بخرائط «إسرائيل الكبرى» التى تمحو وجود دول وجغرافيات بأكملها!!
هؤلاء يمثلون «الأرناطية الجديدة» فى أقبح صورها، فهم لا يعترفون بالقانون الدولى، ولا بالاتفاقيات الموقعة، ويرون فى الاستيطان «واجبًا توراتيًا» يبررون حرق القرى الفلسطينية ويطالبون حتى بضرب المدنيين العزل بالقنبلة النووية والاستيلاء على الأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة، تمامًا كما برر «أرناط» نهب قوافل الحجاج وقتل الأبرياء، وسعى لتدنيس المقدسات الإسلامية وحتى نبش قبر الرسول.
هؤلاء المتطرفون لا يبحثون عن دولة «آمنة»، بل عن مملكة دينية مزعومة تعيد إحياء الأساطير ولو على أنقاض العالم.
وقد يكون مفهومًا ـ وليس مبررًا ـ أن تخرج تلك الأفكار من شخصيات إسرائيلية متطرفة، لكن أن تصدر اللهجة نفسها والذرائع ذاتها من شخصية يُفترض أنها تمثل دبلوماسية دولة تتربع على قمة النظام الدولى، فهذا أمر يحتاج إلى وقفة وفهم أعمق لخطورة ذلك الالتباس وكارثية ذلك الخلط المتعمد.
تصريحات السفير «هاكابى» تأتى كطلقة تحذيرية أخيرة، حين يقول: «لا يوجد شيء اسمه احتلال» أو «لا يوجد شيء اسمه فلسطينى»، ويتمسك بمصطلح «يهودا والسامرة»، فهو لا يتحدث كدبلوماسى، بل كمنظّر لتيار «المسيحية الصهيونية» الذى يرى فى إسرائيل مجرد أداة لتحقيق نبوءات دينية موتورة.
هذه التصريحات التى تمثل صفعة لكل قيم التوازن أو احترام القواعد السياسية والدبلوماسية تجسد مدى تنامى تيار المسيحية الصهيونية فى السياسة الأمريكية حتى تحول من مجرد معتقد دينى هامشى إلى جماعة ضغط أو «لوبى» تفوق فى أعدادها وتأثيرها أحيانًا المنظمات اليهودية التقليدية.
هذا التيار يستند إلى قراءة بروتستانتية ترى أن قيام دولة إسرائيل عام 1948 هو «تحقيق لنبوءات الكتاب المقدس» وتمهيد لـ «العودة الثانية للمسيح»، وبالنسبة لهم فإن دعم إسرائيل ليس خيارًا سياسيًا بل هو «أمر إلهى»، فمن «يبارك إسرائيل يُبارك، ومن يلعنها يُلعن»، بناءً على تفسيرهم لسفر التكوين.
ومن الخطر أن نقرأ تصريحات «هاكابى» رغم كل تطرفها على أنها رؤية شخص أو موقف فردى، بل يجب أن ننظر إليها كجرس إنذار يقرع عقولنا فالمسيحيون الإنجيليون (Evangelicals) الذين ينتمى إليهم «هاكابى» وكثير من ساسة الولايات المتحدة والشخصيات البارزة فى أروقة الاقتصاد وصناعة القرار هناك، باتوا يمثلون اليوم كتلة تصويتية صلبة تبلغ وفق تقديرات متحفظة حوالى 25 فى المائة من سكان أمريكا، وهم العمود الفقرى للحزب الجمهورى، ولا يمكن لأى مرشح جمهورى تجاوز رغبات هذه الكتلة.
وتعد منظمة «مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل Christians United for Israel» أكبر منظمة مؤيدة لإسرائيل فى أمريكا، حيث تضم أكثر من 10 ملايين عضو، وهو رقم يتجاوز بكثير عدد أعضاء «أيباك» المنظمة السياسية واللوبى الأبرز بين الجماعات الداعمة تاريخيًا لإسرائيل فى الداخل الأمريكى.
هذا التيار الدينى الداعم لإسرائيل يضخ مئات الملايين من الدولارات سنويًا لدعم المستوطنات فى الضفة الغربية، وتمويل رحلات «العودة» لليهود من أنحاء العالم إلى فلسطين، وهذا ربما يكشف جانبًا من خطورة ما يجرى فى الضفة الغربية والذى لا يقل عن سوداوية المأساة فى غزة، بل ربما يزيد فى خطره على مستقبل قيام دولة فلسطينية.
كارثية وخطورة تصريحات «هاكابى» ليست فى فجاجتها السياسية أو تجاوزها للأعراف الدبلوماسية، بل فى مدى ما تمثله من مؤشرات على تحول نهج التفكير داخل أروقة صناعة القرار فى الولايات المتحدة، فالأمر يتجاوز مجرد تيار متطرف يسعى إلى تحويل رؤاه الدينية إلى قرارات على الأرض، بل تحول الأمر إلى تيار سائد يجرف السياسة الأمريكية من مربع دعم إسرائيل وفق اعتبارات مصلحية واستراتيجية، إلى تبنى رؤية دينية ترى فى دعم إسرائيل «عقيدة دينية»، وتبرير جرائم يقودها تيار اليمين المتطرف فى إسرائيل، وربما لا تقرها قطاعات عديدة حتى داخل المجتمع الإسرائيلى نفسه!!
ولعل سرعة التحول فى السياسة الأمريكية جراء صعود رموز هذا التيار إلى مكامن صناعة القرار السياسى يمثل مؤشرًا على حجم الخطر الذى تواجهه المنطقة، فهاكابى نفسه ليس سوى قس لم يأت من دهاليز الدبلوماسية الأمريكية التقليدية، بل يبدو أنه جاء لتنفيذ مهمة ما لا علاقة لها بالسياسة.
ومكمن الخطر الحقيقى هو أن مواقف السفير الأمريكى وممثلى تياره الدينى تتحول بسرعة تدعو للقلق إلى قرارات على الأرض، ليس أولها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس خلال الفترة الرئاسية الأولى للرئيس دونالد ترامب الذى قال علانية إن نقل السفارة كان «من أجل الإنجيليين» وليس من أجل اليهود، لإرضاء قاعدته الانتخابية.
هذا فضلًا عن شرعنة الاستيطان والتهام الأراضى الفلسطينية، عبر رفض هذا التيار مصطلح «احتلال»، واستخدامه مصطلح «يهودا والسامرة»، مما دفع الإدارة الأمريكية لتغيير لغتها الدبلوماسية تجاه المستوطنات، والصمت إزاء الإجراءات الخطيرة مؤخرًا والتى تعنى بلا مواربة التهام ما تبقى من أراضى الضفة دون خجل أو خشية من أية مواقف دولية.
والهدف القادم هو دفع واشنطن للاعتراف بـ «سيادة إسرائيل» على الضفة الغربية بالكامل، وهو ما يعنى عمليًا إنهاء «حل الدولتين»، الذى دخل فى حالة «موت إكلينيكى» نتيجة المماطلة الإسرائيلية والتواطؤ الأمريكى، وتبدو الإجراءات الأخيرة بمثابة قرب إعلان الوفاة النهائية لهذا الحل، رغم أنه لا يزال بتقدير كثير من العقلاء الطرح الوحيد القادر على معالجة جذور الصراع ونزع فتيل القنبلة الجاهزة دائمًا للانفجار فى الشرق الأوسط.
والصادم حقًا أن ثمة دلالات واضحة على تحولات مريبة فى الموقف الأمريكى، فعلى مدى السنوات الأخيرة توارى مصطلح «حل الدولتين» من الخطاب الأمريكى، وغياب أية إدانة حقيقية للاستيطان، فضلًا عن فتح المجال أمام تمويله وإلغاء مقاطعة منتجات المستوطنات، كذلك اقتصر التعامل مع السلطة الفلسطينية على المنظور الأمنى لا السياسى، وترافق ذلك مع وقف التمويل الأمريكى للمنظمات الداعمة للحق والوجود الفلسطينى، وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).
وكل ما سبق ليس من قبيل التحليل أو الاستقراء، بل هى مواقف وقرارات معلنة، تجعل أى مراقب للموقف يستشعر حجم الخطر وعمق المأساة المقبلة إذا ما تواصل هذا النهج غير المسئول وتمادى فى تغييب الرؤية السياسية لصالح تغليب العقيدة التوراتية!!
تيار المسيحية الصهيونية يمثل «وقودًا» للفكر الاستعمارى وفتيلًا لإشعال نار حرب لا تحتملها المنطقة والعالم، فهو يوفر لإسرائيل غطاءً أخلاقيًا ودينيًا عالميًا، ويجعل من دعم التطرف الإسرائيلى «مصلحة قومية أمريكية» فى نظر ملايين الناخبين، كما أن هذا التيار لا يرى فى الفلسطينيين بشرًا لهم حقوق، بل «عقبة» فى طريق تحقيق نبوءة دينية، مما يجعل مستقبل القضية أمام تحدٍ وجودى يتجاوز مجرد السياسة الخارجية للدول.
ما يقوم به تيار المسيحية الصهيونية ومجانين الحرب الدينية يقود إلى تحويل الصراع من صراع سياسى على «أرض وحقوق» إلى حرب دينية صفرية، حيث لا مجال للتنازل أو التفاوض لأن «الله قد وهب الأرض لطرف واحد»!! وهو ما يعزز فى المقابل فرص انتعاش أقصى وأقسى درجات خطاب التطرف المتأسلم وإيجاد حاضنة شعبية له كرد فعل على الممارسات الإسرائيلية والتواطؤ الأمريكى، فالتطرف المتأسلم يمثل معادلًا موضوعيًا لذلك التطرف الصهيونى والمتدثر برداء اليهودية والمسيحية، والأديان من كل صور ذلك التطرف براء!
إن محاولة فرض الاحتلال بـ «ستار الدين» هى ممارسة عبثية أثبت التاريخ فشلها. لقد رحل «أرناط» وانهارت مملكته فى حطين لأن «الصراع الدينى» لا يبنى الحضارة، بل يهدمها، وقد رحل الصليبيون بعد قرنين من الزمان لأنهم ظلوا جسمًا غريبًا لفظته الأرض العربية، وسيرحل كل من يظن أن «الأساطير» يمكنها الصمود أمام حق الشعوب فى تقرير مصيرها.
المجانين الذين يظنون أن بإمكانهم محو هوية الأرض بـ «فتوى» أو «تصريح دبلوماسى» قد ينجحون فى إشعال الحرائق، لكنهم أبدًا لا يصنعون تاريخًا مستدامًا، فالتاريخ فى نهاية المطاف ينحاز للعدل ولأصحاب الأرض الذين نبتت جذورهم فيها قبل أن تُكتب النبوءات المزيفة، وقبل أن يولد «هاكابى» أو يظهر أحفاد «أرناط» الجدد.
ومثلما أطاحت حقائق التاريخ بأوهام الأساطير، فستزول فكرة «إسرائيل الكبرى» (من النيل إلى الفرات، أو بمفهومها المعاصر الذى يشمل فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن وسوريا ولبنان) رغم أنها تبقى التهديد الأكبر للأمن القومى العربى، كونها لا تقتصر على التوسع الجغرافى، بل تمتد لتفتيت الدولة الوطنية العربية.
فمشروع «إسرائيل الكبرى» يقوم على إفراغ الأرض من سكانها، والخطر المباشر هنا هو «التهجير القسرى» للفلسطينيين نحو مصر والأردن، مما يؤدى إلى انفجار أزمات ديموغرافية وأمنية تهدد استقرار هذه الدول وسيادتها، وتهدد بتداعيات إقليمية واسعة النطاق، لا يستفيد منها سوى أنصار نظرية الفوضى وهواة الخراب.
ويرتبط المشروع كذلك بالسيطرة على مصادر المياه (نهر الأردن، الليطانى، المياه الجوفية فى الضفة) وممرات الطاقة والتجارة الدولية، ولا ينفصل ذلك عما تقوم به إسرائيل من عبث فى منطقة القرن الإفريقى والبحر الأحمر، مما يجعل القرار العربى رهينًا للهيمنة الإسرائيلية.
كما تتبنى هذه العقيدة مبدأ «شد الأطراف»، أى إضعاف الدول المركزية المحيطة عبر دعم النزاعات الطائفية والعرقية، لضمان بقاء إسرائيل كالقوة المهيمنة الوحيدة فى المنطقة، وهذا ما حدث بالفعل فى بعض دول المنطقة، وفشل فى دول أخرى، بينما لم تتوقف المحاولات.
وجود المجانين ومهاويس ترويج الأساطير الدينية حقيقة، كما أن زوالهم أيضًا حقيقة، لكن التصدى لهم يستوجب وجود قادة وعقلاء من نوع خاص يواجهون انفلات التطرف بانضباط القوة، ويتصدون لعبثية الهيمنة بعقلانية التحرك والتعاون، ويتغلبون على منطق القوة بقوة المنطق.
هكذا تعلمنا من التاريخ، القادة الأشداء العقلاء، الذين يتحلون بالحكمة والقدرة على إدراك المنح من رحم المحن، هم الأقدر على إعادة التاريخ إلى مساره الطبيعى، فكل «أرناط» سيجد فى مواجهته «صلاح الدين»، وكل يد تمتد بالسوء ينبغى أن تواجهها يدان تحملان درعًا وسيفًا يصونان ويحميان ويبددان الأوهام بقوة الحق.
ولعل من يقرأ ما بين سطور التحركات المصرية فى الآونة الأخيرة سيدرك مدى ما تبذله القاهرة من جهود معلنة وغير معلنة لترميم «القوة العربية الصلبة» لمواجهة التحديات التى باتت تتعاظم ولا تحتمل مزيدًا من التفكك أو التشرذم، فالعاصفة التى تدوى أصواتها فى جنبات الشرق الأوسط تهدد الجميع، والتصدى لريحها العاتية أيضًا مسئولية جماعية.
الجهد المصرى الماراثونى للتوصل إلى اتفاق لوقف الحرب فى غزة، والتمسك البطولى بالضغط من أجل إنفاذ كل مراحله، والتحرك المتزامن على جبهة تعزيز الأمن الإقليمى العربى عبر جولات مكوكية للرئيس عبد الفتاح السيسى إلى عواصم عربية وازنة، واستقبالاته واتصالاته اليومية من أجل تنسيق المواقف، والوساطة المصرية النشطة لتجنب التصعيد الإقليمى، كلها خطوات على طريق ترى القاهرة أنه طويل، لكن الوصول إلى نهايته ليس مستحيلًا، ومواجهة طوفان الجنون لن يتأتى إلا بعزائم قوية وأيادٍ متماسكة.
نعم الطريق طويل، وملىء بالأشواك وربما بالألغام، لكن منذ متى كان طريق صون أمن المنطقة ومقدرات شعوبها معبدًا أو مفروشًا بالورود؟!
أمامنا كفاح مضنٍ ينطلق من تعزيز الإدراك العربى والإسلامى بخطورة الموقف وحتمية التحرك الجماعى، مستخدمين الأوراق والأدوات المتاحة، من استغلال الزخم القانونى فى محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية لتثبيت صفة «الاحتلال» و»الفصل العنصرى»، والعمل على نزع الشرعية عن «الفكر الصهيونى الدينى» فى المحافل الدولية، وإظهاره كحركة تطرف تهدد السلم العالمى وليس مجرد خلاف سياسى.
كما تشمل محطات الطريق لمواجهة الجنون والتطرف الصهيونى والفكر المتصهين دينيًا ولا دينيًا التمسك بالحق غير القابل للتفاوض وهو بقاء الفلسطينيين على أرضهم، وهو ما يتطلب دعمًا ماليًا وسياسيًا مباشرًا للقدس والضفة وغزة، لمنع خلق بيئة طاردة للسكان تجبرهم على الهجرة.
كما يتطلب الأمر مخاطبة الغرب، وخاصة الأجيال الشابة والكنائس الليبرالية فى أمريكا، لتفكيك أكاذيب «المسيحية الصهيونية»، وتوضيح أن هذا الفكر يسيء للمسيحية وللقيم الإنسانية، وأنه وقود للحروب وليس وسيلة للسلام.
يُضاف إلى ذلك تفعيل أوراق الضغط الجماعى عربيًا وإسلاميًا، من الاقتصاد إلى السياسة، ومن الدبلوماسية إلى امتلاك كل أدوات القوة والقدرة المتاحة.
نعم المجانين لا يصنعون التاريخ.. لكنهم يستطيعون تشويهه، ووحدهم فقط العقلاء والأقوياء هم من يملكون القدرة على لجم الجنون.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية