تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
«شطرنج طهران» فى مواجهة «ملحمة الغضب»
أى فراغ غير محسوب للسلطة فى طهران سيشعل صراعات نفوذ بين القوى الإقليمية وهو ما يجعل من تغيير النظام بالقوة وصفة جاهزة للفوضى المطلقة، ومؤشرًا إضافيًا على انهيار الأمن الإقليمى
بدا لاعب الشطرنج الإيرانى ـ رغم مهارته فى اللعب - مرتبكًا بطيئًا فى اتخاذ قراراته فى مواجهة نقلات الصواريخ، وتدافع الطائرات الشبحية فى سمائه، لكن رغم كل ذلك، لا يزال كثيرون يعتقدون ـ وأنا منهم ـ أن اللعبة لم تنته بعد، وأن ثمة منعطفات أكثر إثارة ربما تتكشف فى المرحلة المقبلة.
حتى القوى المناوئة للنظام الإيرانى ستجد نفسها أمام اتهام خطير وهو التواطؤ مع «الغزو الخارجى» وهى مسألة تزيد من تعقيد المشهد فى دولة ذات جذور ثقافية عميقة وشخصية وطنية تعتز بإرثها الحضارى
رغم أن لعبة «الشطرنج» نشأت بالأساس فى الهند، لكن الحضارة الفارسية هى من منحتها قواعدها الأهم ومسمياتها الأشهر فى العالم إلى اليوم، فاللعبة الحديثة تدين للفرس بالعديد من مصطلحاتها، فكلمة «شطرنج» ذاتها هى تعريب للاسم الفارسى «تشاترانج» (Chatrang)، ومصطلح «كش ملك» (Checkmate) يعود أصله للعبارة الفارسية «شاه مات»، والتى تعنى «عجز الملك» أو «حوصر الملك».
ولطالما اعتبر الإيرانيون أنفسهم ورثة الثقافة والحضارة الفارسية، ومن بينها ممارسة معارك الشطرنج ليس على رقعة اللعب، بل على جغرافيا الإقليم، وسعوا إلى بناء صورة عن أنفسهم تشير إلى أنهم أساتذة فى «لعبة النفس الطويل»، حيث يحبكون خيوط نفوذهم من بيروت إلى صنعاء، ومن غزة إلى دمشق بهدوء وصبر.
لكن فى الأشهر الأخيرة، تغيرت قواعد اللعبة فجأة، لم يعد الخصم يكتفى بتحريك البيادق أو المناورة على الأطراف، بل قرر ضرب «الملك» مباشرة بضربات جوية هزت قلب العاصمة طهران وأطاحت برأس النظام، فى حركة مفاجئة، لم يراهن الإيرانيون على أن تصل معدلات الجرأة الأمريكية الإسرائيلية للإقدام عليها.
فى المقابل، بدا لاعب الشطرنج الإيرانى ـ رغم مهارته فى اللعب - مرتبكًا بطيئًا فى اتخاذ قراراته فى مواجهة نقلات الصواريخ، وتدافع الطائرات الشبحية فى سمائه، لكن رغم كل ذلك، لا يزال كثيرون يعتقدون ـ وأنا منهم ـ أن اللعبة لم تنته بعد، وأن ثمة منعطفات أكثر إثارة ربما تتكشف فى المرحلة المقبلة.
■ ■ ■
«شطرنج طهران» ليس مجرد استعارة، بل هى العقيدة التى أدارت بها إيران سياساتها لعقود، وتهاوى هذه الاستراتيجية الآن هو ما يجعل الحرب الحالية نقطة تحول تاريخية، فلطالما اعتمدت طهران على مبدأ «الدفاع خارج الحدود»، وكانت «البيادق» هى الفصائل الموالية لها فى العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن.
اليوم تحولت إيران من لاعب إلى ملعب، وللمرة الثانية فى غضون أشهر قليلة، و«الحملة» الأمريكية الإسرائيلية التى أطلق عليها الرئيس دونالد ترامب اسم «ملحمة الغضب» تبدو مختلفة تمامًا عن «ضربة» يونيو من العام الماضى التى اتخذت اسم «مطرقة منتصف الليل» والتى دكت خلالها الطائرات الشبحية الأمريكية المواقع النووية الإيرانية الأهم، لكن الهدف لم يكن فى ذلك الوقت الإطاحة بالنظام الإيرانى، بينما تحول القضاء على نظام «الملالى» غاية «ملحمة الغضب» الأمريكية هذه المرة.
تساقطت أذرع إيران الإقليمية الواحد تلو الآخر، فبدا النظام فى الأيام الأولى للحرب مثل ملاكم منهك مكشوف الوجه والصدر، يتلقى أعنف اللكمات ولا يملك سوى محاولة الصد اليائس أو توزيع الضربات العشوائية فى كل اتجاه، بعدما تشوشت الرؤية، وارتبكت الحسابات، واختلطت مصادر اتخاذ القرار.
فى الشطرنج، قد يضحى اللاعب بقطعة ثمينة لكسب وضع أفضل، إيران حاولت لسنوات استخدام برنامجها النووى كـ «وزير» للمساومة ورفع العقوبات، لكن اليوم ومع تدمير المنشآت النووية الكبرى، فقدت إيران قدرتها على المساومة، فلم يعد هناك «وزير» للمقايضة به، بل أصبح النظام فى وضع «كش ملك» عسكرى، حيث تضاءلت خياراته، وتقلصت بشدة أمامه مساحات المناورة، تحت ضغط الداخل المصدوم من ردة الفعل غير المتناسبة مع حجم وخطورة الهجوم، والمتحفز إزاء تداعيات الموقف وما يمكن أن تقود إليه تلك «الحملة»، وبين «لكمات» قاسية تتوالى على جسد الخريطة الإيرانية كلها.
■ ■ ■
كان قادة إيران، ولسنوات طويلة، يركزون على تحريك القطع فى الخارج، أهملوا «قاعدة الرقعة» وهى الشعب، الانهيار الاقتصادى والضربات العسكرية المتتالية جعلا مكونات عدة معروفة بتأييدها الصارم للنظام تغير من قناعاتها، واتسعت حالة التململ الداخلى سواء من القوى المسيسة أو فى أوساط طبقات التجار الذين ملوا من العقوبات وتضرروا من توالى الأزمات، أو من قطاعات الشباب الذى ضاق بقيود النظام على الزى والحركة، حتى باتت مؤسسات الدولة أقرب إلى منطق محاكم التفتيش، وهكذا اهتزت الرقعة الإيرانية من الداخل، قبل أن تدوى فى جنباتها أصوات الصواريخ وأزيز الطائرات.
الإيرانيون يفتخرون بأنهم يلعبون الشطرنج ببطء شديد لاستنزاف أعصاب الخصم. لكن الحرب الجارية اتسمت بـ «السرعة الخاطفة» والتقنيات الذكية التى لم تترك مجالًا للمناورة السياسية التى يتقنها قادة طهران، لقد تحولت اللعبة من شطرنج كلاسيكى إلى «شطرنج سريع» لم تكن طهران مستعدة لإيقاعه.
اعتمد «شطرنج طهران» على حماية المركز عبر حرق الأطراف، لكن اليوم يجد اللاعب الإيرانى نفسه لأول مرة منذ عام 1979 أمام رقعة مبعثرة لا يملك فيها حق نقلة واحدة آمنة، فقد احترقت الأطراف، وتهاوت الأذرع، وبات المركز نفسه فى مواجهة خطر الانهيار.
■ ■ ■
رغم هذا الموقف الصعب بالنسبة للنظام الإيرانى، إلا أن فكرة القبول بسهولة تغيير النظام، هى مسألة تحمل من التبسيط قدرًا كبيرًا يجعلها أقرب إلى التسطيح والخيالية، وللأسف لدى الإيرانيين أنفسهم، ورغم كل ما يمكن أن يُقال بشأن اتساع نطاق المعارضة الداخلية لسياسات ومواقف النظام، مخاوف عميقة من فكرة «التغيير من أجل التغيير».
الذاكرة الإيرانية تحمل مشهدين مختلفين للتغيير، لم يكن الأمر والانتقال فيهما سهلًا أو محمود العواقب، بل ربما منح الإيرانيين تخوفًا فطريًا أمام إغراءات التغيير غير المحسوب.
أول هذه المشاهد يعود إلى العام 1953، عندما تدخلت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية للمرة الأولى فى تاريخها للإطاحة بنظام داخلى فى إحدى دول العالم، وكان هذا التدخل تحت اسم العملية «أياكس» للإطاحة بحكومة رئيس الوزراء الإيرانى محمد مصدق، الذى قاد حركة تأميم النفط الإيرانى، واتسع نفوذه لمواجهة الاستنزاف الغربى لثروات إيران، فأغرت بريطانيا - المستفيد الأول من النفط الإيرانى - حليفها القوى (الولايات المتحدة) التى خرجت من الحرب العالمية الثانية متعطشة لبسط نفوذها على العالم، بأن تتدخل للإطاحة بمصدق بزعم أنه حليف للاتحاد السوفيتى، وابتلعت واشنطن الطُعم، ودبرت انقلابًا أصبح فيما بعد نموذجًا متكررًا فى دول عدة، لكن الإطاحة بمصدق فى إيران مثل ضربة قاصمة لطموحات التغيير الديمقراطى فى بلاد الشاه، واستعاد رجل الغرب القوى «رضا بهلوى» موقعه بفعل التدخل الأمريكى.
المشهد الثانى كان بعدها بنحو ربع قرن، عندما احتشدت المعارضة الإيرانية هذه المرة ضد الشاه، أملًا فى تغيير سلمى للسلطة، وكانت الفكرة السائدة آنذاك أن التغيير سيليه تحسن فى الأوضاع، فتوحد الشيوعيون والأصوليون والليبراليون من أنصار مصدق من أجل الإطاحة بالشاه، فاتخذ التغيير مسارًا مختلفًا، فقد استطاع علماء الدين والأصوليون المتشددون السيطرة على الحكم واستخدموا كل أدوات القوة والعنف التى لم يستخدمها مصدق فى مواجهة «الانقلاب الأمريكى»، وهكذا بدأ حكم «الثورة الإيرانية» بعدما استفاد من التدخل الأمريكى قبلها بربع قرن.
وتحتفظ الذاكرة الإيرانية والشرق أوسطية عمومًا بذكريات قاتمة لتدخل أمريكى آخر بعد نصف قرن من الإطاحة بحكومة مصدق فى طهران، ولكن التدخل الأمريكى جاء فى دولة عربية ذات حضارة عريقة وثقافة عميقة، ففى عام 2003 قرر الأمريكيون تغيير النظام فى العراق بالقوة، وبدأوا حربًا بلا سند من الشرعية الدولية لغزو العراق، وإلى اليوم لا تزال بلاد الرافدين تخوض مسارًا شاقًا للتعافى السياسى والاقتصادى.
والتجربة الأفغانية أيضًا تستحق أن تروى فى هذا السياق، فالتدخل الأمريكى عام 2001 لتغيير نظام «طالبان» بالقوة فى أعقاب حالة الهلع التى أعقبت هجمات 11 سبتمبر، لم تسفر عن فصل جديد من المعاناة فى تاريخ ذلك البلد المنكوب بموقعه وصراعاته العرقية، وبعد 20 عامًا من الصراع، غادرت القوات الأمريكية على عجل الأراضى الأفغانية، لتعود طالبان مجددًا إلى الحكم، وكأن شيئًا لم يتغير طيلة عقدين من الزمن، سوى مزيد من الخسائر والفواجع للشعوب، والاضطرابات الإقليمية.
تعرف الولايات المتحدة ـ إذاً ـ كيف تشعل الحرب وتدخل المغامرة، لكنها لا تملك دائمًا نفس المهارة فى الخروج من فوضى الميدان الممتلئ بالفوضى والمثخن بالجراح!!
■ ■ ■
الوضع فى إيران اليوم يبدو أصعب وأخطر من حقبة مصدق، أو تجربة أفغانستان، أو مأساة العراق، فمساحة إيران تبلغ أكثر من 1٫6 مليون كم٢ بتضاريس جبلية وعرة، ويقطنها أكثر من 90 مليون نسمة، وغزو كهذا يتطلب مئات الآلاف من القوات وتريليونات الدولارات، وهو ما تفتقر إليه الإرادة السياسية الأمريكية الحالية.
ورغم تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية العسكرية والنووية واغتيال قادة بارزين (بمن فيهم المرشد الأعلى على خامنئى)، إلا أن التاريخ العسكرى يثبت أن الضربات الجوية وحدها نادرًا ما تطيح بالأنظمة دون غزو برى شامل.
هذا فضلًا عن أن الرهان على تحرك الشارع داخل إيران يواجه بالعديد من التحديات، أولها مرتبط ببنية النظام الإيرانى سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا، فنحن أمام نظام بالغ التعقيد، ومتعدد الأطراف، لا يمكن أن يستسلم بمجرد «قطع رأس النظام» على غرار التجربة الفنزويلية، فالنظام الإيرانى يمتلك جهازًا أمنيًا (الحرس الثورى والبسيج) منتشر فى الأحياء السكنية، مما يجعل السيطرة عليه من الخارج أمراً شبه مستحيل دون تفكك داخلى حاد.
أما التحدى الثانى فهو موقف الشعب الإيرانى نفسه، فحتى القوى المناوئة للنظام الإيرانى ستجد نفسها أمام اتهام خطير وهو التواطؤ مع «الغزو الخارجى» وهى مسألة تزيد من تعقيد المشهد فى دولة ذات جذور ثقافية عميقة وشخصية وطنية تعتز بإرثها الحضارى، وتحتشد فى مواجهة الخطر الخارجى، هذا فضلًا عن وضع الأصوات العاقلة فى الداخل الإيرانى فى سندان الرغبة فى التغيير، وبين مطرقة الوصم بالرغبة فى الوصول إلى الحكم عبر دعم أمريكى - إسرائيلى.
وإذا كان القبول بعلاقات مع الولايات المتحدة أمرًا يمكن للبعض التغاضى عنه، فكيف سيتم التغاضى عن تحقيق الأهداف والمصالح الإسرائيلية، خاصة فى ظل حكومة يمينية متطرفة فى تل أبيب، لا تخفى وجهها الدينى المتشدد، وتصبغ توسعها الإقليمى بصبغة دينية، وتجعل من الاستيلاء على أراضى دول المنطقة والتدخل فى شئونهم «حقًا إلهيًا» و»وعدًا توراتيًا»!!
وهنا أعود لواحد من أهم الكتب التى يمكن من خلالها فهم الواقع فى إيران وهو كتاب «أتباع الشاه» للكاتب الأمريكى ستيفن كينزر، والذى يورد رأيًا فى مقابلة مع معارض إيرانى بارز هو أكبر جانجي، أجريت قبل نحو عشرين عامًا، لكنها لا تزال صالحة للفهم والقراءة، إذ يقول جانجى إن «الهجوم العسكرى الأمريكى سيكون كارثة على الشعب الإيرانى البرىء وعلى المنطقة بأسرها، وسوف يعزز من نمو الأصولية (التشدد) فى المنطقة، ويعيد إحياء الاعتقاد بأن الغرب اليهودى المسيحى بقيادة الولايات المتحدة يهاجم العالم الإسلامى من أفغانستان وفلسطين إلى العراق وإيران».
■ ■ ■
الطرح السابق لا يزال صالحًا، بل إنه سيتضاعف مع تحول التهديدات الأمريكية فى توقيت إجراء تلك المقابلة عام 2007 إلى حرب شاملة فى 2026، وهو ما يشير إلى أن الداخل الإيرانى نفسه لا يمكن أن يقود تغييرًا حقيقيًا تحت النار، وهو ما يجعل تغيير النظام فى إيران بالقوة العسكرية «مقامرة جيوسياسية» عالية التكلفة وغير مضمونة النتائج، فالتدمير لا يعنى بالضرورة النجاح السياسى، والاستراتيجية الحالية تبدو أقرب لمحاولة شل النظام ودفع الشعب للتحرك، مع قبول مخاطر الانزلاق إلى حرب إقليمية كبرى.
المعارضة الإيرانية فى الخارج والداخل على السواء تمر بمرحلة «مخاض عسير»، فهى تمتلك الصوت العالى، لكنها تفتقر إلى «الجاهزية المؤسساتية» التى تصعب من الإطمئنان لها كبديل قادر ومستقر.. كما أن تلك المعارضة تعانى أيضًا من معضلة «التشتت الأيديولوجى»، إذ قد تبدو موحدة فى العلن، لكنها تعانى من تشرذم داخلى ما بين «الملكيين» الذين يلتفون حول شخصية «رضا بهلوى» ويرون فى الملكية الدستورية رمزًا لوحدة إيران التاريخية، وبين الجمهوريين والليبراليين الذين يخشون عودة الاستبداد تحت أى مسمى ويفضلون نظامًا ديمقراطيًا برلمانيًا علمانيًا، ويزداد التشتت إذا أضفنا قطاعات واسعة من «جيل زد» الذى يعانى تناقضات عميقة وتشتتًا بطبيعته، وتبدو أهدافه فى أى حراك سياسى مشوشة وغامضة ولا تتبع رؤية سياسية واضحة!!
هذا فضلًا عن تعدد ألوان الطيف العرقى لتلك «المعارضات»، فلا توجد معارضة واحدة، فهناك الأكراد، البلوش، العرب الأحواز، ومعظم هؤلاء يطالبون بنظام «فيدرالى» يضمن حقوقهم، وهو ما يثير حفيظة التيارات القومية التى تخشى تفتت الدولة.
المعارضة كذلك لا تمتلك جناحًا عسكريًا أو قدرة على احتواء القوى المسلحة داخل إيران، وهذا النقص يجعل من خيار «التغيير الكلى» طموحًا أكثر منه واقعًا، خوفًا من أن يؤدى غياب البديل الجاهز إلى تحول إيران لساحة صراع للميليشيات الموالية لجهات مختلفة، وهذا ما يفتح المجال أمام تداعيات إقليمية كارثية لسقوط النظام الإيرانى، وتداعيات لا تقل خطرًا فى بقائه بعد تحولات 28 فبراير 2026.
تبدو كل السيناريوهات ـ للأسف - صعبة، وما يحسم هذا الجدال حاليًا ليس طاولات المفاوضات، بل قدرة النظام على السيطرة داخليًا، فإذا استمرت الاحتجاجات الشعبية فى التوسع تزامنًا مع الضربات، سيجد المجتمع الدولى نفسه «مضطرًا» لدعم تغيير النظام كأمر واقع لتجنب اتساع نطاق الحرب، وامتدادها زمنيًا وجغرافيًا، بما يزيد من تكلفتها الاستراتيجية والاقتصادية.
أما إذا ظل النظام ممسكًا بالأجهزة الأمنية رغم الضعف العسكرى، فستميل الخيارات المطروحة (تجنبًا لغزو برى مكلف) إلى قبول صفقة تعتمد على «إضعاف النظام لدرجة العجز» بدلًا من إسقاطه التام الذى قد يخلق فراغًا مرعبًا.
■ ■ ■
فى الوقت ذاته، التداعيات الإقليمية لا تقل «كارثية» عن التداعيات الداخلية فى إيران، فالانكشاف العسكرى الحالى جعل خيار التصعيد مكلفًا لدرجة الانتحار، وقد شهدت الأيام الأولى من الحرب محاولة لتوسيع نطاق الأزمة، سواء عبر استهداف أراضى الدول الخليجية وبعض الدول العربية الأخرى تحت زعم استهداف المصالح الأمريكية، لكن الأمر طال منشآت مدنية واقتصادية خارج نطاق الأهداف العسكرية، فضلًا عن مساعى «الحرس الثورى» إغلاق مضيق هرمز ذى الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية الهائلة، والذى يتحكم تقريبًا فى حركة ربع إنتاج العالم من النفط والغاز، وهو ما يمثل محاولة لإشعال أزمة عالمية قد تكون ورقة ضغط مهمة لوقف الحرب.
وتتسع دائرة التداعيات المحتملة لتغيير النظام الإيرانى بالقوة، لتشمل امتداد الحرب لفترة طويلة بحيث تتحول إلى «حرب استنزاف طويلة المدى»، ومن بين التداعيات المحتملة فى هذا السياق وقوع إيران فى حالة من الفوضى فى ظل غياب خطة واضحة للحكم بعد النظام الحالى، وهو ما قد يحول إيران إلى «عراق ثانٍ» ولكن بحجم أكبر، مما يؤدى إلى صراع داخلى ممتد بين فصائل مسلحة وقوى عرقية، وربما يصبح الوضع أقرب إلى «النموذج الليبى» أى سقوط المركز وتحول إيران إلى مخزن سلاح مفتوح للميليشيات والجماعات المتطرفة، مما سيهدد أمن الخليج وإمدادات الطاقة لعقود.
كما أن أى فراغ غير محسوب للسلطة فى طهران سيشعل صراعات نفوذ بين القوى الإقليمية وهو ما يجعل من تغيير النظام بالقوة وصفة جاهزة للفوضى المطلقة، ومؤشرًا إضافيًا على انهيار الأمن الإقليمى.
ومن الواضح أن وصول المواجهة بين الولايات المتحدة إلى مربع الحرب بدا انتصارًا لتيار اليمين الإسرائيلى وجناح الصقور فى واشنطن، الذى تجاوز سنوات طويلة من الحسابات المعقدة فى التعامل مع إيران، وبات ينظر إلى ضرب إيران باعتباره «الفرصة التاريخية» التى لن تتكرر، دون التحسب للعواقب الإقليمية الكارثية لهذا التدخل العنيف.
وهذا الانتصار لقرار صقور واشنطن وتل أبيب، سيعزز من صعود تيار «صقورى» مقابل داخل الحرس الثورى ومؤسسات الدولة الإيرانية، هذا التيار يرى أن أى تنازل الآن هو إقرار بالهزيمة، ومن ثم فقد يتم اتباع استراتيجية «الهروب إلى الأمام» وذلك عبر تفعيل ما تبقى من «خلايا نائمة» فى الخارج، أو استهداف ممرات الطاقة العالمية بشكل انتحارى لإحداث أزمة طاقة عالمية تجبر القوى الكبرى على التراجع.
■ ■ ■
وفى كل الأحوال، سواء نجحت «ملحمة الغضب» الأمريكية فى تحقيق أهدافها، أو استعاد لاعب الشطرنج فى طهران تماسكه، فإن المؤكد أن الشرق الأوسط قبل 28 فبراير 2026، لن يكون كما كان قبله، وأن هذه الأجيال من أبناء المنطقة كُتب عليها أن تشهد التاريخ وهو يخط سطوره بالبارود والنار على خرائط منطقتهم، بعدما كانوا يقرأونها مجرد حكايات مسلية فى الكتب القديمة.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية