تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

رمضان شهر البَيِّنات

هيا إلى تدارس كلمة «البينات» فى آية الصيام؛ بالرجوع مجددًا إلى الآية الجامعة التى نفتتح بها الحديث عن رمضان دائمًا، قول الله تعالى: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ»، نجد كلمة «البينات» من الكلمات العذبة الرشيقة، الخفيفة على السمع، المحببة إلى الأذن والقلب. ونحن عبر التاريخ ألفنا سماعها، حتى صارت جزءًا من وجداننا، فنقول: استمعنا إلى آياتٍ بينات من الذكر الحكيم.
 

والعلماء يقولون: من فصاحة المتكلم وبلاغته أن يختار الألفاظ العذبة المحببة، التى تستقر فى السمع والقلب.
فما معنى «البينة»؟ كلمة البينة من البيان، والبيان من الظهور والوضوح والانكشاف. يقال: بان الأمر، أى ظهر واتضح. ويقال: بان الصبح، أى انقشعت الظلمة وتجلى النور. فحين ينزل الله معنى من معانى الهداية، ويجعله واضحًا جليًا لا لبس فيه، يُسمى ذلك بينة. وإذا اجتمعت هذه المعانى الواضحة المتجلية، سُميت بينات.
فآيات القرآن التى نزلت فى رمضان هى بينات من الهدى، أى معانٍ واضحة، وحجج ساطعة، وأنوار كاشفة، تهدى القلوب والعقول. ولما كان شهر رمضان هو الوعاء الزمنى الذى شهد نزول القرآن، فقد صارت أيامه ولياليه مواسم للبينات، وأنوار البيان القرآنى.
 
  • البينات مع الأنبياء
نجد أن القرآن الكريم استعمل كلمة البينات مع الأنبياء جميعًا؛ قال تعالى مخاطبًا بنى إسرائيل: «وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ» وسيدنا موسى عليه السلام جاء بالتوراة، وبالآيات التسع، وبالمعجزات الباهرة: العصا، وانفلاق البحر، واليد البيضاء، وغيرها من الآيات الواضحة الساطعة. فمجموع هذه الهدايات والمعجزات سُمى بينات. وكذلك قال تعالى فى شأن سيدنا عيسى عليه السلام: «وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ»، فقد أُيد بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وولادته من غير أب، وإنزال الإنجيل نورًا وهداية. ثم جاءت بينات سيدنا محمد ء، وهو خاتم الأنبياء، فقال الله تعالى على لسانه: «قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي»، فكل نبى بُعث لقومه بالبينات: أى حجج عقلية، وآيات حسية، وبيان بالقول، وبيان بالفعل، وأخلاق شاهدة على الحق.
 
  • البينات منهج رسالي
قال تعالى: «فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ»، فالرسالات الإلهية كلها قامت على البيان، والحجة، والنور، والوضوح. ولما تلقى أتباع الأنبياء هذه البينات، تلقوها بالتعظيم واليقين، وحملوها أمانة، وقاموا بتبليغها لمن بعدهم. كما قال سحرة فرعون حين ظهر لهم الحق: «لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ».
 
  • البيان مقصد قرآنى عظيم
إذا تأملنا مادة (الباء والياء والنون) فى القرآن، وجدناها متكررة فى صور كثيرة، منها: بيان ــ بينات ــ تبيان ــ تبين ــ لتبين ــ يتبين. قال تعالى: «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ»، فالقرآن نزل ليكون: تبيانًا، وهدى، ورحمة، وبشرى. ولهذا كان من أخطر ما أصاب الأمة فى عصور قريبة أن حُرّفَ مقصد البيان، فحُول القرآن ــ الذى نزل بيانًا ورحمة ــ إلى أداة تكفير، وصدام، وعنف، وإرهاب، وهو براء من ذلك كله.
  • البيان نعمة إلهية
قال تعالى: «الرَّحْمنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الْإِنسَانَ . عَلَّمَهُ الْبَيَانَ»، فالبيان من أعظم نعم الله على الإنسان، وبه تميز الإنسان عن سائر المخلوقات.
وخلاصة القول: إن رمضان شهر البينات: شهر الوضوح بعد الالتباس، وشهر النور بعد الظلمة، وشهر البيان بعد الغموض. من عاش رمضان بالبينات، خرج منه بعقل مستنير، وقلب مطمئن، وبصيرة واعية.
 - وزير الأوقاف
 

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية