تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

وداعًا مفيد شهاب

مثل الأستاذ الجليل الدكتور مفيد شهاب بحق قامة علمية ووطنية وإنسانية شامخة يندر أن تجتمع صفاتها فى شخص واحد كما اجتمعت فى شخصه الكريم، ولقد كان لقاؤنا الأول فى ظروف حزينة عقب هزيمة يونيو 1967 ضمن مجموعة محدودة من الطلبة الجامعيين الأعضاء فى منظمة الشباب، وكنا نناقش الهزيمة وملابساتها، وكان قد عاد لتوه من فرنسا بعد حصوله على درجة الدكتوراه فى القانون الدولى، لينضم إلى أعضاء هيئة التدريس بكلية الحقوق جامعة القاهرة، رغم حصوله على درجته الجامعية الأولى من حقوق الإسكندرية، لكن تفوقه جعله يظفر بترشيح الدولة له لبعثة فى فرنسا أهلته للعمل مدرسًا بحقوق القاهرة، وتوطدت علاقتنا عبر الزمن، لكن توليه رئاسة جامعة القاهرة ثم وزارة التعليم العالى فى وقت عملى كمدير لمعهد البحوث والدراسات العربية وفر فرصًا أكبر لمزيد من التفاعلات، التى أكدت أصالة ذلك الرجل. وأذكر أن المجلس التنفيذى للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التى يتبعها المعهد، وهى إحدى منظمات الجامعة العربية، كان قد قرر إلغاء أجهزته الخارجية ومنها المعهد، وتحويلها إلى مؤسسات وطنية بحيث ينتهى دورها العربى، وكنت أحسب أن بعض الحساسيات من دول بعينها تجاه استضافة مصر المعهد مسئولة عن هذا القرار، وصعب عليَّ أن تزول الصفة العربية للمعهد الذى أسسه المفكر القومى العربى الكبير ساطع الحصرى، ورأسته قامات مصرية رفيعة على رأسها طه حسين، فقررت أن ألجأ لشخصيات مصرية محترمة للمساعدة فى إجهاض هذا القرار، وكان الدكتور مفيد أول من لجأت له، وتحمس الرجل للدفاع عن المعهد. فقام باتصالات عديدة كان أهمها مع الدكتور حسين كامل بهاء الدين الذى كان يتولى مسئولية حقيبتى التعليم والتعليم العالى، وبهذه الصفة كان حلقة وصل بينى وبين الوزير الذى وجه رسالة بالغة القوة لمدير المنظمة مفادها أن مصر لن تسمح بإلغاء المعهد، وقد كان وتم العدول عن ذلك القرار. غير أن الواقعة التالية أشد دلالة، ففى أحد المؤتمرات الوزارية للمنظمة اتخذ المؤتمر قرارًا يقيد حرية المعهد فى استخدام موارده الذاتية، وكنت قد بدأت تجربة غير مسبوقة للتمويل الذاتى للمعهد بسبب الأزمة المالية فى الجامعة العربية ومنظماتها، وكانت التجربة تقوم على فرض رسوم شديدة الرمزية على الطلاب مع الحفاظ على حصة من المنح المجانية لكل دولة، ونجحت الفكرة لدرجة أن المعهد بات يمول نفسه ذاتيًا، بل ويعطى 20% من إيراداته للمنظمة، وكان من شأن قرار المجلس أن تُحْرَم إدارة المعهد من استخدام عوائده الذاتية، وكان الدكتور مفيد قد أصبح وزيرًا للتعليم العالى، لكنه أناب عنه لحضور المؤتمر رئيس إحدى الجامعات، فاتصلت به فى القاهرة وأبلغته بما حدث، وأن كل ما أطلبه هو السماح لى بالحديث فى جلسة اليوم التالى لأن الوزراء وحدهم هم المسموح لهم بالحديث، فاتصل من فوره بمن أنابه لرئاسة الوفد المصرى، وأعطاه تعليمات صارمة بأن يطلب من رئيس المؤتمر باسمه أن أُمنح فرصة الحديث أمام المؤتمر. وفى صباح اليوم التالى أُعطيت الكلمة فى أول جلسة، وشرحت وجهة نظرى، وتم العدول عن القرار، كذلك لا أنسى موقفه حين شغرت وظيفة أمين الشئون التعليمية بالمعهد التى تناظر وظيفة وكيل الكلية لشئون التعليم والطلاب، وكان يتولى هذه الوظيفة موظف إدارى مع أنها وظيفة أكاديمية بكل المعايير، وقررت أن أطلب ترشيح شخصية أكاديمية مرموقة لهذه الوظيفة هى الأستاذة الدكتوره نيڤين مسعد، ولم يكن هذا ليتم دون دعم قوى من الدكتور مفيد، وكان مدير المنظمة على وشك زيارة القاهرة ولقاء الدكتور مفيد الذى حدثته فى الموضوع فتحمس له، ووعد بتأييد الترشيح، وكان المعتاد أن أحضر لقاءات مدير المنظمة مع الوزير المصرى، وعُقِد اللقاء ولم يُشِر الدكتور مفيد للموضوع بحرف، وانصرف الرجلان، وبعد حوالى عشر دقائق وجدت أحد مرافقى الوزير يهرول باتجاهى، ويقول لى معالى الوزير يريد التحدث معك فنزلت مسرعًا لأجده ينتظرنى بمفرده بعد أن غادر المدير المكان، ويطمئننى أنه حسم الموضوع معه، ويعكس هذا تواضعه الجم الذى ميز سلوكه دائمًا، فقد كان بمقدوره أن يطلب من أى شخص من مرافقيه أن يبلغنى، ولا أنسى فى سياق الحديث عن تواضعه أننى دعوته ذات مرة لإلقاء محاضرة بالمعهد، وحضرها زميل عزيز لنا من منظمة الشباب شاء ألا يُظهر وجوده للدكتور مفيد، وقدرت أنه لا يريد أن يحرجه، لأنه كان قد اعتُقِل لفترة قبل أن تظهر براءته، فإذا بالدكتور مفيد يلمحه أمام الباب الخارجى للمعهد وهو يهم بالانصراف فينادى عليه باسمه بأعلى صوته ويتقدم نحوه ويحتضنه بحرارة، ولا أنسى أبدًا علامات التأثر والبهجة التى ارتسمت على وجه ذلك الزميل العزيز. شرفنى الدكتور مفيد رحمه الله بأن ضمنى للمجموعة التى شكلها بتكليف من الرئيس مبارك لإعداد المذكرة المصرية فى قضية الجدار العازل أمام محكمة العدل الدولية، ولما تحفظت لعدم تخصصى فى القانون الدولى رد بقوله وهل يستقيم القانون الدولى دون سياسة؟ وكانت من أمتع تجاربى وأكثرها فائدة لى، وعندما طلب منى ذات يوم مستندات شخصية لا تُطلب إلا فى حالة الترشيح لمنصب ما أخبرته أننى بعملى كمدير لمعهد تابع للجامعة العربية أُعْتبر موظفًا دوليًا فرد عليَّ بهدوء بأنه يعلم، وبعد يومين وجدت اسمى ضمن أول تشكيل للمجلس القومى لحقوق الإنسان الذى كان تجربة مفيدة لى، ولا يمكن أن يكتمل الحديث عن الراحل الكريم دون ذكر دوره فى ملحمة استعادة طابا، وقد سمعت ممن أثق فيه أن الرئيس مبارك لم يحسم قراره بقبول التحكيم إلا بعد أن طمأنه الدكتور مفيد أن القضية محسومة لصالح مصر. كان آخر اتصال بيننا منذ قرابة الشهر حين طلبت منه أن يكون المتحدث الرئيسى فى ندوة عن قرار مجلس الأمن الأخير عن غزة، فاعتذر بأدبه الجم، ورشح لى من يقوم بالمهمة خير قيام، ولم أكن أعرف أن هذه هى المرة الأخيرة التى أسمع فيها صوته الحبيب. رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه خيرًا عن تلاميذه ووطنه وأمته.

 

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية